الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
![]() |
| المصدر : شبكة فلسطين الاخبارية |
تتفاقم الأزمة البيئية والصحية في قطاع غزة مع استمرار تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى الشوارع وبرك تجميع مياه الأمطار، في ظل تدمير معظم شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ والمعالجة، ومنع إدخال الوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل هذه المنشآت وصيانتها.
وفي مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، اضطرت البلدية إلى تصريف كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي باتجاه البحر، فيما تواجه مناطق أخرى المشكلة نفسها، مع تجمع المياه العادمة في الشوارع والمناطق المنخفضة وبرك تجميع مياه الأمطار.
ويثير هذا الوضع مخاوف متزايدة من اتساع نطاق التلوث وانتشار الأمراض، لا سيما بين النازحين الذين يعيشون في خيام ومناطق مكتظة.
تدمير منظومة الصرف الصحي
قال الناطق باسم بلدية خانيونس، صائب لقان، إن أزمة الصرف الصحي وصلت إلى مستويات خطيرة، نتيجة تدمير أكثر من 30 ألف متر طولي من شبكات وأنابيب الصرف الصحي في شوارع المدينة.
وأوضح لقان أن منع الطواقم البلدية من الوصول إلى محطة المعالجة الرئيسية والمكب الرئيسي في منطقة "صوفا" شرقي المدينة، دفع البلدية إلى تحويل مسار مياه الصرف الصحي نحو البحر، لتجنب غرق المناطق المنخفضة وتجمعات النازحين بالمياه العادمة.
وأضاف: "نقوم قسرا بضخ ما بين 6 آلاف و10 آلاف متر مكعب يوميا من مياه الصرف غير المعالجة إلى شاطئ البحر، ما يعزز انتشار الأمراض والأوبئة بين النازحين المنتشرين على طول الساحل، فضلا عن الروائح الكريهة وتلوث مياه البحر بشكل كامل".
وحذر لقان من أن تداعيات التلوث قد تتجاوز المناطق الساحلية في غزة، مشيرا إلى إمكانية انتقال الملوثات عبر التيارات البحرية إلى مناطق أخرى في حوض البحر المتوسط.
وطالب المجتمع الدولي بالضغط من أجل تمكين طواقم البلدية من الوصول إلى محطات المعالجة، والسماح بإدخال المعدات والأنابيب وقطع الغيار اللازمة لإصلاح منظومة الصرف الصحي.
مياه الصرف تتدفق إلى الشوارع
وفي مدينة غزة شمالي القطاع، تبدو الأزمة أكثر اتساعا، في ظل الأضرار التي لحقت بشبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ، وتوقف معظم مرافق المعالجة.
وقال الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، إن قدرة المدينة على تصريف مياه الصرف الصحي تراجعت بشكل كبير بعد استهداف محطات الضخ العاملة فيها.
وأوضح أن البلدية تمكنت من إعادة تشغيل محطتين فقط لضخ المياه العادمة من أصل 8 محطات، بينما لا تزال 6 محطات خارج الخدمة.
وأشار مهنا إلى أن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى تدمير نحو 220 ألف متر من شبكة الصرف الصحي، ما تسبب في فيضان المياه العادمة في الشوارع وتجمعها في المناطق المنخفضة، قبل تسربها باتجاه ساحل البحر.
وأضاف أن أكثر من 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي تتسرب يوميا إلى الساحل، محذرا من أن ذلك يشكل أزمة بيئية خطيرة.
كما تتدفق مياه الصرف الصحي إلى بركة الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، التي كانت مخصصة أساسا لتجميع مياه الأمطار، لكنها تحولت إلى موقع لتجمع المياه العادمة بعد تضرر البنية التحتية المحيطة بها.
وقال النازح محمد حلاوة، الذي يقيم في خيمة قرب أحد الشوارع التي تنتشر فيها المياه العادمة، إن الروائح الكريهة والذباب والبعوض أصبحت جزءا من حياته اليومية.
وأضاف أن الروائح والحشرات تجعل النوم وتناول الطعام أمرا بالغ الصعوبة، مشيرا إلى أن أعمال الرش التي تنفذها البلدية لم تعد كافية للحد من حجم المشكلة.
خطر يتجاوز تلوث البحر
لا تقتصر تداعيات انهيار منظومة الصرف الصحي على الروائح والحشرات، إذ يحذر خبراء ومنظمات دولية من أن هذا الانهيار يؤدي إلى تفاقم تلوث المياه والتربة والساحل، ويرفع مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، كانت جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في قطاع غزة خارج الخدمة مطلع سبتمبر/أيلول 2026، فيما كانت نحو 70% من محطات ضخ الصرف الصحي متوقفة، ما أدى إلى تصريف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يوميا إلى البيئة.
كما حذرت الأمم المتحدة من اقتراب موسم الأمطار، في ظل وجود ملايين الفلسطينيين في مواقع نزوح مكتظة ومعرضة للفيضانات وتفشي الأمراض، بينما تواجه أعمال الاستعداد للشتاء صعوبات بسبب نقص التمويل والقيود على الوصول.
ويشير تقرير أممي إلى أن نحو 60% من سكان القطاع لا يزالون معرضين لمياه الصرف الصحي أو الفضلات البشرية على مسافة تقل عن 10 أمتار من أماكن إقامتهم، فيما يتعرض أكثر من 900 ألف شخص للنفايات المتراكمة في المناطق السكنية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة كذلك إلى أن منظومة المياه والصرف الصحي تعرضت لأضرار واسعة، بينما أسهمت محدودية مرافق الصرف وإدارة النفايات في انتشار القوارض والحشرات وارتفاع المخاطر الصحية والبيئية.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للبيئة "يونيب" من أن انهيار البنية التحتية للصرف الصحي، وتدمير شبكات المياه، واستخدام الحفر الامتصاصية خلال الحرب، يرجح أنه أدى إلى زيادة تلوث الخزان الجوفي الذي يعتمد عليه سكان غزة للحصول على المياه.
كما أشارت المنظمة إلى أن المناطق البحرية والساحلية في غزة يُرجح تعرضها للتلوث، رغم صعوبة إجراء عمليات فحص شاملة بسبب الظروف الميدانية.
وتحذر "يونيب" من أن الأضرار البيئية في القطاع لا تقتصر على المياه، بل امتدت إلى التربة والغطاء النباتي والساحل والنظم البيئية. كما أدى تدمير المباني إلى توليد نحو 61 مليون طن من الركام، الذي قد يحتوي جزء منه على الأسبستوس، وهي مادة قد يؤدي التعرض لها لفترات طويلة إلى الإصابة بأمراض قاتلة، إضافة إلى المخلفات الصناعية والمعادن الثقيلة.
معاناة تحت الرمال
في خيمة على شاطئ خانيونس، يعيش النازح فريد العقاد منذ نحو عام ونصف، في ظروف يصفها بالقاسية.
وقال العقاد: "نعاني منذ أشهر طويلة من انتشار الروائح الكريهة والحشرات والأمراض التي تجبرنا على نقل أطفالنا يوميا إلى العيادات والمستشفيات، ناهيك عن حرماننا من استخدام مياه البحر أو الاقتراب منه بسبب التلوث".
وأضاف: "نحن على أبواب فصل الشتاء، ومع هطول الأمطار ستتداخل مياه البحر مع مياه الصرف الصحي وتجتاح خيامنا، مما سيضاعف المأساة".
وطالب العقاد المؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لنقل النازحين من المناطق الملوثة أو إصلاح شبكات الصرف الصحي، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي سيجعل موسم الأمطار أكثر خطورة على آلاف العائلات.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تتداخل أزمات الصرف الصحي والمياه والنفايات والركام في قطاع غزة، لتشكل خطرا بيئيا وصحيا متزايدا، في وقت تعمل فيه البلديات في ظروف بالغة الصعوبة وبإمكانات محدودة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.
ويأتي ذلك في ظل منع إسرائيل إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء اللازمة للفلسطينيين المحاصرين، بعدما دُمرت نحو 90% من البنية التحتية في القطاع خلال الحرب الإبادة.

No comments:
Post a Comment