نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Friday, September 4, 2026

من الجدار إلى الجـذور... رحلــة في ذاكــرة الأرض والمــاء

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands


الباحث : خالــد أبــو علــي
في إحدى جولات فريق "امشي وتعرّف على بلدك"، المسائية من يوم الثلاثاء الأول من ايلول 2026 ، حطّت أقدامنا في قرية بيت حنينا " التحتا "، الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة القدس المحتلة. كانت زيارة أشبه ما تكون باستحضار لذاكرة وطنية مطمورة خلف جدارٍ فصل المكان عن نفسه، وترك جذوره تتنفس تحت الحجر بينما امتدت أغصانه في فضاء محاصر.

الزمـن في الأزقـة

خلال تجوالنا في الأزقة الضيقة لبيت حنينا "التحتا"، هذه النواة القديمة، التي عكانت تنبض بالحياة، تمّ فصلها قسرًا عن الامتداد الحديث للبلدة بفعل جدار الفصل العنصري، الذي شطر القرية إلى قسمين ؛ أحدهما أُلحِق إداريًا بمدينة القدس تحت سيطرة الاحتلال، والآخر - بيت حنينا الأصل - أُقصي خارج المدينة ويُدار اليوم من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية.

بيـت حنينـا التحتـا... عزلـة قسريـة وهجـرة صامتـة

بيت حنينا " التحتا "، النواة التاريخية لقرية مقدسية عريقة، باتت اليوم رمزًا حيًا للعزل القسري والتفريغ السكاني. منذ إقامة الجدار العازل عام 2006، تمّ فصل هذه البلدة القديمة بالكامل عن القدس وعن الامتداد العمراني الحديث لبيت حنينا الجديدة، لتجد نفسها فجأة خارج المدينة التي تنتمي إليها تاريخيًا وجغرافيًا، وتخضع إداريًا للسلطة الوطنية الفلسطينية.
هذا الانفصال الجغرافي ألحق بالبلدة جرحًا ديموغرافيًا عميقًا، حيث بدأ سكانها بالهجرة تدريجيًا نحو الخارج أو نحو الأحياء المتبقية داخل القدس، بحثًا عن فرص حياة أفضل أو للتخلص من وطأة العزلة وغياب الخدمات الأساسية. ما زال الكثير من منازل القرية القديمة مغلقة، نوافذها موصدة، وجدرانها تروي حكاية هجرة صامتة ومكان تركه أهله مجبرين لا مختارين.

الخرائـط تتقلـص والحقـول تصمــت

ما يوجع في هذا المكان ليس فقط الانقسام الجغرافي، بل تآكل النسيج البيئي والاجتماعي الذي كانت تتمتع به القرية. كانت مساحتها تفوق 16 ألف دونم، تغطّيها كروم الزيتون وبساتين المشمش واللوز، لكن بفعل الاستيطان وسياسات المصادرة لم يتبقَّ سوى 2700 دونم محاصرة بالأسلاك والواقع.

البيئـة... شاهـد صامـت على الانقسـام

من الزاوية البيئية، كان واضحًا كيف انعكس هذا التقطيع الجغرافي على طبيعة بلدة حنينا التحتا. الأراضي البور بدت أكثر اتساعًا من المزروعة، والأشجار التي كانت توزع الظلال على الحقول بدت كأنها شاهدة على زمن آخر. المشمش الذي اشتهرت به البلدة، واللوزيات التي كانت تتفتح في الربيع كأغانٍ منسية، صارت اليوم تعاني من شحّ العناية، نتيجة الحصار وغياب الدعم الزراعي والمائي.

خيرات الطبيعة... زادُ الطريق وذاكرةُ المكان

في الطريق من بيت حنينا التحتا، كانت الطبيعة زادًا يمدّ الرحلة بالحياة. مررنا بنبع "المنيا"، الذي يشق طريقه بين الصخور العتيقة، فتوقفنا قليلًا عند مائه، واسترحنا تحت ظلال شجرة تين وارفة، تقاسم الفريق ثمارها كما لو أن المكان نفسه كان يرحّب بضيوفه.
ومع امتداد المسار عبر وادي الدم، واصلت الطبيعة كرمها؛ فتناول أعضاء الفريق من ثمار التين والرمان والفقوس التي كانت تنتشر على جانبي الطريق، في مشهدٍ يعيد إلى الذاكرة علاقة الإنسان الفلسطيني القديمة بأرضه ومواسمها.
وقبيل وصولنا إلى الجيب، استقبلتنا شجرة جوز ضخمة، بدت كأنها معلم طبيعي قائم منذ زمن بعيد. استظل الفريق تحت أغصانها الوارفة، فيما انشغل البعض بالتقاط بعض ثمارها، واختار آخرون استكشاف ما حولها من كهوف وصخور، وكأن كل زاوية في المكان تخبئ حكاية تنتظر من يكتشفها.

من بيت حنينا التحتا إلى الجيب...نحو قلب الذاكرة الكنعانية

بعد انتهاء جولتنا في بيت حنينا، واصل فريق " امشي وتعرّف على بلدك" مساره البيئي باتجاه قرية الجيب المجاورة، التي ارتبطت تاريخيًا بموقع جبعون الكنعاني.
هناك، أخذت ملامح الماضي تظهر بصورة أكثر وضوحًا؛ فبين التلال والجبال والصخور والكهوف، بدا المكان وكأنه يحتفظ بطبقات متراكمة من التاريخ، ويهمس بحكايات الشعوب التي عاشت هنا قبل آلاف السنين.
كان الانتقال من بيت حنينا إلى الجيب رحلةً في الطبيعة، لكنه كان في الوقت ذاته عبورًا في الزمن؛ فمن نبعٍ وشجرة تين ورمانة وجوزةٍ عتيقة إلى الصخور والكهوف والمرتفعات، كانت الأرض تفتح أمامنا صفحاتٍ من ذاكرتها، وتؤكد أن فلسطين ليست فقط مكانًا نعبره، بل حكايةٌ نخطو داخلها، وذاكرةٌ تستعيدها أقدامنا كلما سرنا في دروبها.

الآبـار والمقدّسـات المائيـة في مملكــة جبعـون

في قلب قرية الجيب، حيث كانت جبعون الكنعانية قبل خمسة آلاف عام، تنتشر المعالم الأثرية التي تشهد على تطور هندسي ومعماري مبهر لحضارة عريقة نسجت علاقتها مع الأرض والماء بذكاء وروحانية. أبرز ما يمكن مشاهدته هناك هو نظام الآبار القديمة المحفورة في الصخر، والتي كانت بمثابة شريان حياة للقرية وسكانها منذ العصر البرونزي.
زار الفريق المعالم الأثرية المتبقية في القرية ومنها الآبار العميقة، ذات السلالم الحجرية الدائرية، والتي تدل على معرفة دقيقة بطبيعة الأرض الجيرية ومصادر المياه الجوفية، حيث تمكّن الكنعانيون من تطوير أنظمة حصاد مائي متقدمة في زمن لم تكن فيه أدوات الحفر والقياس كما نعرفها اليوم.
حول هذه الآبار، نشأت معابد ودوائر احتفالية، ما يشير إلى أن الماء كان مصدرًا للحياة، وعنصرًا مقدسًا يدخل في طقوس العبادة والتقرب من الآلهة الكنعانية. ولا تزال بقايا هذه المعالم قائمة إلى اليوم، تتنفس عبق العصور، رغم صمتها العميق وغياب الزائرين.
إن الوقوف أمام هذه الآبار والمواقع الأثرية في الجيب، هو إعادة وصل مع الذاكرة المائية الأولى لهذا الشعب، ومع حضارة عرفت كيف تُعمّر الأرض وتحفظ الماء وتبني فوقهما روحًا لا تموت.
في الجيب، كما في بيت حنينا، تعانق الحجر مع الذاكرة، وبرزت أهمية توثيق هذه القرى المنسية التي تشكّل قلب التاريخ الفلسطيني وروحه، وتُعدّ امتدادًا حيًا للهوية البيئية والثقافية التي لا تزال تصارع من أجل البقاء .

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

الإحصاء وسلطة البيئة: 37% من مساحة الضفة الغربية مراعي طبيعية

 الأراضي المقدسة الخضراء /GHLands كشف بيان مشترك للجهاز المركزي للإحصاء وسلطة جودة البيئة، لمناسبة اليوم العربي للبيئة الذي يصادف اليوم الأر...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????