نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Sunday, April 19, 2026

على مرمى الذاكــرة… خلــف الجدار

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands

كتب الباحـث البيئـي خالـد ابـو علـي

تقع بيت سوريك على بعد نحو 10–12 كم من شمال غرب القدس، ضمن منطقة تلالية مرتفعة تُطل على أودية وسهول واسعة. وتُعد من القرى التاريخية ذات الطابع الريفي الجميل والطبيعة الجبلية الخلابة، وتحيط بها أراضٍ زراعية خصبة. قرب قرية بيت سوريك، وعلى الجهة الغربية من الجدار الفاصل باتجاه أراضي 1948، كانت تنتشر مجموعة من القرى الفلسطينية التي هُجّر أهلها خلال النكبة عام 1948، وأصبحت اليوم داخل ما يُعرف بـ"الخط الأخضر".


سرنا مع فريق "امشي وتعرّف على بلدك" بين أراضي (بيت سوريك)، كأننا نمشي على ذاكرةٍ حيّة وترابٍ صامت. كانت التلال والأحراج المقابلة تتنفس حكاياتٍ قديمة، والجبال تلوّح لنا بأغصان الزيتون كأمٍ تعرف أبناءها العائدين ولو بعد غياب. كل خطوةٍ كانت تشبه صلاةً صامتة، وكل نسمةٍ تحمل رائحة الأرض التي لم تنسَ أسماء أهلها.

لكن المشهد انكسر فجأة… هناك، على مرمى مئات الأمتار فقط، ارتفع جدار الفصل باسلاكه الكهربائية كغصّةٍ في حلق المكان. كان جداراً فاصلاً بين قلبٍ ونبضه، بين ذاكرةٍ وأصحابها. من خلفه، كانت القرى التي هُجّر أهلها قسرًا عام 1948 تلوح كأطيافٍ حزينة، كأنها تنادينا بصوتٍ خافت: " كنا هنا… وما زلنا" .
وقفتُ هناك، بين الطبيعة التي تمنح الحياة، والجدار الذي يصادرها، وشعرتُ أن المسافة ليست أمتاراً… بل عمرٌ من الفقد. كانت الأرض جميلة حدّ الألم، وكانت الحكاية أعمق من أن تُقال، فاختبأت في صدورنا دمعةٌ خجولة، ومضينا… نحمل الوطن معنا، لأننا لم نعد نستطيع الوصول إليه.


خلف الجدار… امتدادٌ مقطوع لا يُنسى
إلى الغرب من القرية، حيث ينتهي النظر عند جدارٍ صامت، يبدأ امتدادٌ آخر من الحكاية. هذه القرى كانت جزءًا من النسيج الريفي المتصل حول القدس، وكانت تربطها علاقات اجتماعية وزراعية وثيقة مع بيت سوريك والقرى المجاورة. اليوم، يفصل الجدار هذه الامتدادات الطبيعية والتاريخية، لكنه لم يقطع الذاكرة.هناك، خلف هذا الفاصل، تستقرّ قرى هجّرها أهلها في النكبة، وبقيت أرواحها معلّقة بين التلال. كانت هذه القرى جزءًا من نسيجٍ واحد، تتبادل الخبز والماء والظلّ، قبل أن تُفصل الجغرافيا عن ذاكرتها.
بيت نقوبا… ظلّ القرية على ترابها

أغمضت عينيّ قليلًا… فرأيت )بيت نقوبا ( الى الغرب تماما من( بيت سوريك ) ما لم أرها من قبل، بيوتٌ بيضاء، نساءٌ على عتبات الصباح، وأطفالٌ يركضون خلف ضحكاتهم في الأزقة الضيقة. هنا كانت البيوت تُفتح على الصباح، واليوم تقف الأرض حاملةً اسمًا يشبهها ولا يُشبهها، كأن المكان يهمس: أنا هنا… ولو تغيّر العنوان.ثم فتحت عينيّ… فلم أجد سوى صمتٍ ثقيل، كأن المكان يحاول أن يتذكر نفسه.
صوبا… ذاكرة الجبل القديم

أما (صوبا) ، فتستريح غربًا، قريةً ضاربة في عمق الأزمنة، تعاقبت عليها الحقب كما تتعاقب الفصول، تستريح فوق كتف الجبل، تُطل على الحقول كأمٍّ تراقب أبناءها. هُجّر سكانها بالكامل في 1948 وأُقيمت على أراضيها مستوطنة "تسوفا " ، لكن الجبل لم ينسَ، وبقيت ملامحها موزّعة بين الصخور وأغصان الزيتون. واليوم… لا أحد هناك، إلا الريح، وبعض أشجار الزيتون التي بقيت شاهدة لا تعرف كيف تُغادر.
القسطل… حارسة الطريق وصوت الحكاية

وعند الجنوب الغربي، ترتفع (القسطل)، كانت موقعًا استراتيجيًا وكعينٍ ساهرة على الطريق بين القدس ويافا. شهدت الأرض هناك صخب المعارك الشرسة خلال حرب 1948، وسقط على ترابها عبد القادر الحسيني، فصارت التلال تحفظ خطاه كما تحفظ الريح أسماء العابرين. اليوم، تغفو القسطل تحت غطاءٍ من الهدوء، لكن صداها ما زال حيًّا في الحجر والشجر. واليوم يوجد موقع تذكاري وحديقة على أنقاضها.
دير ياسين… الجرح الذي صار ذاكرة

وقريبًا في الإطار الجغرافي ذاته(قريبة نسبيًا) تقع جنوب شرق نسبيًا من بيت سوريك ، تقف (دير ياسين)، شاهدةً على واحدة من أقسى الحكايات، مجزرة دير ياسين، حيث تحوّل المكان إلى رمزٍ إنساني يتجاوز الجغرافيا، ويختصر وجع التهجير في ذاكرة شعب.

ساريس… صمت الشمال الغربي
شمال غرب التلال، تختبئ (ساريس) ، في هدوءٍ يشبه التأمل. تم تهجير سكانها خلال النكبة ، لكن المكان بقي يحتفظ بأثرهم، كأن الخطى لم تغادر تمامًا، بل تحوّلت إلى ذاكرةٍ تمشي مع الريح. وأُقيمت مستوطنة "شورش" على أراضيها.

لفتا وعين كارم… حنين الماء والحجر
ومن الجهات القريبة، تظلّ ( لفتا وعين كارم) حاضرتين في الوجدان؛ لفتا بعيون مائها وبيوتها الحجرية التي لم تكتمل هجرتها، وعين كارم بمدرجاتها وكرومها، حيث كان الماء ينساب كأغنيةٍ بين الحقول.زرتها قبل الحرب وكحلت عيوني بمشهد بيوتها الجميلة والجامع العمري ومسقط راس (يوحنا المعمدان) وبساتينها الغناء .

بيت محسير… الحكاية التي قاومت
وفي الغرب أيضًا، تقف (بيت محسير)، ، كصفحةٍ لم تُطوَ بعد فما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة، في حجرٍ لم يُكسر، كانت من القرى الكبيرة نسبيًا في المنطقة وكانت واسعةً نابضة بالحياة، شهدت مقاومة خلال 1948 قبل تهجير أهلها وقاومت قبل أن تُهجّر، أُقيمت مستوطنة "بيت مئير" على أراضيها. وما زالت طرقها الترابية تعرف أسماء أهلها، كأنها تنتظر عودتهم مع أول مطر. ولو بعد حين. وقفتُ طويلًا… لا لأرى، بل لأتذكّر ما لم أعشه.

حين تفصل الجغرافيا وتبقى الذاكرة
كانت هذه القرى يومًا جسدًا واحدًا، تتشارك المواسم، وتنسج علاقاتها من القرب والخبز والينابيع. واليوم، يقف الجدار فاصلاً بين الامتداد الطبيعي والتاريخي، لكنّه، مهما ارتفع، لم يستطع أن يفصل الذاكرة عن الأرض… ولا أن يمنع الحكاية من أن تُروى
عدتُ أدراجي مع الفريق ، لكن شيئًا مني بقي هناك… ربما ظلّي، أو ربما ذلك الطفل الذي لم يولد بعد، ويبحث عن طريقٍ بلا جدران.

الجزء الثاني والأخير .




No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

فلسطين تؤكد التزامها بحماية تراثها الثقافي في اليوم العالمي للتراث

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands بمناسبة اليوم العالمي للتراث ، جددت الحكومة الفلسطينية تأكيدها على أهمية صون التراث الثقافي الفلسطيني، با...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????