نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Saturday, June 6, 2026

وادي الدَّرَجَـــة السفلي… حين تتحول الطبيعة إلى اختبارٍ للحياة

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands



كتب الباحث البيئي خالد أبو علي 
في أيار من عام 2026، استكمل الفريق الفلسطيني المغامر (إلى القمر) وفريق الإنقاذ التطوعي (ساند) رحلتهما المدهشة داخل وادي الدَّرَجَـــة، عبر برية بيت لحم، في مسارٍ يبدو وكأنه خارج حدود الزمن، حيث تمتزج الجغرافيا بالدهشة، وتتحول الصخور إلى صفحاتٍ مفتوحة من تاريخ الأرض.
سار الفريق بين سفوح الجبال الشاهقة في موقع بيئي جيولوجي نادر، تتناثر فيه التكوينات الصخرية بأحجامها وألوانها المتعددة، كأنها لوحة فنية كونية مرصوفة بأحجار كريمة نحتتها يد الطبيعة عبر ملايين السنين. هنا، لا شيء ساكن؛ كل حجر يحكي قصة، وكل منعطف في الوادي يهمس بسرّ جيولوجي قديم.

بين الارتداد الجيولوجي وحكاية الزمن

وقف الفريق أمام مشاهد مدهشة لعمليات “التجوية والتآكل”، حيث الصخور العملاقة - بعضها يزن أطنانًا - انفصلت عن الجبال العالية لتستقر في قاع الوادي السحيق. ومع مرور الزمن، ومع ضربات المطر والسيول، تكسرت هذه الكتل الصخرية وتدحرجت، لتتحول إلى فسيفساء طبيعية من الشظايا والتجاويف. ومع كل فيضان موسمي، كانت المياه الهادرة تعيد رسم الوادي من جديد؛ تنحت، تجرّ، وتعيد توزيع الحجارة، لتخلق عبر آلاف السنين بركًا طبيعية وممرات مائية تشبه الكهوف المفتوحة على السماء.

وادي يتكلم بلغة الجمال والتحدي

يصف أحد المشاركين، مروان كنعان، التجربة قائلاً: " مناظر خلابة، وديان سحيقة، وصخور عملاقة… تشعر وكأن الطبيعة تدخل فيك قبل أن تدخلها أنت. هذا المكان ليس مجرد وادٍ، بل مفردة من مفردات الجمال والمغامرة."
وانطلقت الرحلة من برية زعتره ووادي التعامره جنوب شرق بيت لحم، على ارتفاع 512 مترًا فوق سطح البحر، حيث تحرك الفريق شرقًا عبر برية قاسية، قبل أن تبدأ المغامرة الحقيقية سيرًا على الأقدام داخل تضاريس وادي الدرجه العلوي .

مغارة " المربعات" وذاكرة الأرض

بعد ساعات من التوغل في المسارات الوعرة، وصل الفريق إلى منطقة شبه معزولة تحتضن مغارة " المربعات"، التي ارتبطت بحكايات قديمة ومخطوطات كُتبت على جلود الحيوانات. تقع المغارة عند ملتقى روافد وادي الدرج العلوي، حيث تتقاطع مياه وادي زعترة ووادي تقوع في مشهد جيولوجي فريد. هنا، تتحول الجغرافيا إلى خريطة حياة، ويصبح المكان كتابًا مفتوحًا للباحثين في علوم الأرض والتضاريس.

السيق الفلسطيني الوردي

بين الجبال، انكشف أمام الفريق ممر صخري ضيق أطلق عليه المرشد البيئي عماد حميد اسم " السيق الفلسطيني الوردي"، حيث ترتفع الجدران الصخرية حتى 200 متر، بألوان تتدرج بين الوردي والأحمر والأبيض، مشكلة ممرًا أشبه بكاتدرائية طبيعية محفورة في قلب الأرض.
هذه الصخور، التي تعود إلى عصور جيولوجية قديمة (سينومية - باليوسينية)، تكشف طبقات الأرض كأنها صفحات كتاب مفتوح، تحكي قصة البحر القديم والانحسارات المائية والتغيرات المناخية عبر الزمن.

وادٍ لم تصنعه يد الإنسان

يُعد وادي الدرج السفلي واحدًا من أكثر المسارات البيئية نقاءً وبدائية في فلسطين، حيث لم تمتد إليه يد التغيير البشري. هنا، تتنوع المغامرة بين السباحة في البرك الطبيعية، والهبوط بالحبال، وتسلق الجدران الصخرية، في تجربة تختبر حدود الجسد وروح الإنسان معًا.

خمسون بركة… وذاكرة ماء

داخل الوادي، يواصل المسار انحداره لمسافة تقارب ثمانية كيلومترات، بين نحو 50 بركة مائية طبيعية، تتراوح أعماقها بين متر وخمسة أمتار. هذه البرك، التي نحتتها السيول عبر آلاف السنين، تشكل نظامًا مائيًا فريدًا يتغذى من أمطار الشتاء المتقطعة مياهها الباردة تبقى محفوظة حتى في ذروة الصيف، بفعل الظلال العميقة وغياب أشعة الشمس المباشرة، لتصبح كل بركة محطة تأمل وعبور ومغامرة.
ويقول الكابتن بلال الحوساني: " هذه البرك تبقى محتفظة بمياهها طوال العام تقريبًا، وبعضها لا تصل إليه الشمس إطلاقًا، وهي صالحة للسباحة لفترة محدودة بعد الأمطار".

الحياة البرية… نبض خفي في الصخر

رغم قسوته الظاهرة، يحتضن الوادي حياة برية غنية، من بينها الثعلب الأحمر، والضبع المخطط، والوعل النوبي، إضافة إلى الذئب العربي الذي ما زال يتجول في بعض الجيوب الجبلية المعزولة. كما رصد الفريق طيفًا من الطيور، مثل زرزور البحر الميت، والغراب الأبقع، والعويسق، إلى جانب نباتات صحراوية متكيفة مثل الكبار والرتم واللوف، وشجرة سدر وحيدة تقف كحارس أخضر وسط القسوة الصخرية.

نهاية الرحلة… عند مطلات البحر الميت

بعد تسع ساعات من السير والتسلق والسباحة، وبمسافة تقارب 8 كيلومترًا، وصل الفريق إلى نهاية المسار، حيث تنفتح الجبال على مشهد بانورامي للبحر الميت. هناك، في لحظة صمت، يشعر المغامر أنه خرج من رحم الوادي إلى أفق آخر؛ من عالم الصخر إلى اتساع الماء والضوء، حيث يلتقي الجمال بالتعب، وتتحول الرحلة إلى ذاكرة لا تُنسى.

قبل أن تخطو… هذا ما يجب معرفته عن وادي الدرج السفلي

يُعد مسار وادي الدَّرَجَـــة السفلي واحدًا من أخطر وأصعب وأجمل المسارات التي خاضها الفريقان بكل كفاءة واقتدار. وانطلاقًا من طبيعة هذا الوادي القاسية والمفتونة في آنٍ واحد، فإننا نوصي جميع محبي السياحة البيئية والتجوال والمغامرات بعدم خوضه إلا برفقة دليل أو مرشد سياحي متمرس، يمتلك معرفة دقيقة بتفاصيل المكان، وخبرة ميدانية واسعة للتعامل مع مختلف الظروف الطارئة.

كما يجب أن يكون المرافق مجهزًا بأدوات السلامة والأمان اللازمة وستر نجاه للكابتن لتسهيل مد الحبل للمتسلقين ، وفي مقدمتها الحبال الخاصة بالتسلق والإنزال بطول 50 متر ، إضافة إلى لباس خاص بالسباحة قابلة للجفاف وأحذية مناسبة للمسارات الجبلية الوعرة ولا ننسى ايضا الأغطية البلاستيكيه داخل الشنطة لمنع تسرب المياه اليها . فطبيعة الوادي تتسم بصخور ملساء وضيقة في كثير من المقاطع، قد لا تتجاوز مساحة موضع قدم، إلى جانب الحاجة المستمرة للسباحة في بعض البرك، والتمتع بلياقة بدنية عالية.

ويجدر التأكيد على أن هذا الوادي لا يحتمل التهاون أو الكسل، فهو مسار يتطلب صبرًا طويلًا، وقوة تحمل، وإرادة صلبة لا تعرف الانكسار.



No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

النينيو يعود.. فهل استعد العالم للفيضانات والجفاف؟

 الأراضي المقدسة الخضراء /GHLands تشير التحذيرات العلمية والأممية المتزايدة إلى أن العالم قد يكون على أعتاب واحدة من أقوى ظواهر " النين...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????