الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
سجلت محيطات العالم أعلى متوسط لدرجة حرارة سطحية على الإطلاق خلال شهر أغسطس، في مؤشر جديد على تصاعد آثار أزمة المناخ والاحترار العالمي، وسط تحذيرات علمية من تداعيات متزايدة على الحياة البحرية والسواحل والمجتمعات التي تعتمد على البحار في معيشتها.
وأظهرت أحدث البيانات أن متوسط درجة حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية بلغ 21.1 درجة مئوية يوم السبت، في مستوى يتجاوز جميع القياسات السابقة.
ويأتي هذا الرقم القياسي في وقت يشهد فيه نصف الكرة الشمالي صيفًا استثنائيًا اتسم بموجات حرارة قياسية، وجفاف وحرائق واسعة في أوروبا وأمريكا الشمالية، إلى جانب أمطار غزيرة وأعاصير وعواصف قوية في أجزاء من آسيا.
المحيطات.. أكبر مستودع لحرارة الاحترار العالمي
تكشف حرارة المحيطات المتصاعدة حجم الطاقة الحرارية التي يمتصها النظام المناخي، إذ تستوعب البحار والمحيطات أكثر من 90% من الحرارة الناتجة عن غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بحرق الوقود الاحفوري.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة , تتزايد الضغوط على النظم البحرية، بينما ترتفع مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف الشديدة وموجات الحر البحرية، وهي ظواهر تهدد مليارات البشر الذين يعيشون في المناطق الساحلية أو يعتمدون اقتصاديًا على الموارد البحرية.
وقالت الدكتورة سامانثا بورغس، من خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ، إن تسجيل هذا الرقم القياسي يمثل إشارة واضحة أخرى إلى أن المحيطات تتعرض لضغوط متزايدة.
وأوضحت أن ظاهرة «إل نينيو» تضيف مزيدًا من الحرارة إلى النظام المناخي، لكنها تفعل ذلك فوق عقود من الاحترار الناجم عن الأنشطة البشرية.
وأضافت أن تداعيات هذا الاحترار أصبحت واضحة بالفعل، مشيرة إلى أن عدد أيام موجات الحر البحرية عالميًا ارتفع إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مستوياته في أوائل تسعينيات القرن الماضي.

«إل نينيو» يضاعف سخونة المحيطات
يتزامن الرقم القياسي الجديد مع تطور سريع لظاهرة إل نينيو، التي يُتوقع أن تكون الأقوى والأشد حرارة منذ قرن على الأقل.
وتُعد «إل نينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث بصورة دورية، وتتسبب في ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتغيير أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم.
لكن تأثيرها الحالي يأتي في ظل خلفية من الاحترار طويل الأمد الناتج عن ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري , ما يجعل تأثير الظاهرة أكثر تعقيدًا وخطورة.
وقد بدأت تداعيات «إل نينيو» تظهر في عدة مناطق، من بينها انخفاض الأمطار الموسمية في الهند، واندلاع حرائق واسعة في إندونيسيا، إلى جانب ارتفاع مخاطر حرائق الغابات في أستراليا.
لماذا يعد الرقم القياسي في أغسطس لافتًا؟
يحمل تسجيل أعلى حرارة للمحيطات خلال أغسطس أهمية خاصة، لأن درجات حرارة سطح البحار عالميًا تصل عادة إلى ذروتها في مارس وأبريل، بعد انتهاء فصل الصيف في نصف الكرة الجنوبي.
ويمتلك نصف الكرة الجنوبي مساحة محيطية أكبر بكثير من نصف الكرة الشمالي , وهو ما يجعل التوقيت الحالي للرقم القياسي أكثر إثارة للقلق بالنسبة للعلماء.
وبذلك لا يعكس ارتفاع الحرارة مجرد تأثير موسمي عابر، بل يشير إلى استمرار تراكم الحرارة في النظام المناخي العالمي.

ارتفاع حرارة المحيطات يرفع مستوى البحار
ولا تتوقف تداعيات الاحترار البحري عند الحياة داخل المحيطات، إذ تسهم المياه الأكثر دفئًا في ارتفاع مستوى سطح البحر من خلال التمدد الحراري للمياه.
ويعني ذلك زيادة مخاطر الفيضانات بالنسبة للمناطق الساحلية والجزر المنخفضة، مع تعرض ملايين السكان والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية لضغوط متزايدة.
كما تعمل المحيطات الأكثر دفئًا على تغذية الواهر الجوية المتكرفة، لأن ارتفاع درجة حرارة سطح البحر يسمح بنقل كميات أكبر من الطاقة وبخار الماء إلى الغلاف الجوي، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى زيادة شدة الأمطار والعواصف.
وتصبح هذه التأثيرات أكثر خطورة في المناطق التي تواجه أصلًا مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر أو الأعاصير والعواصف المدارية.

تهديد مباشر للحياة البحرية
وتُعد النظم البيئية البحرية من أكبر المتضررين من الارتفاع المستمر في درجات الحرارة، إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تضغط على الكائنات البحرية وتغير مناطق انتشارها وتؤثر في سلاسل الغذاء والنظم البيئية.
كما يمكن أن تؤدي موجات الحرارة الممتدة إلى نفوق أعداد كبيرة من الكائنات البحرية، وإلحاق أضرار بمصائد الأسماك والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد عليها المجتمعات الساحلية.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن الزيادة الكبيرة في عدد أيام موجات الحر البحرية خلال العقود الماضية تعكس تغيرًا واضحًا في الظروف التي اعتادت النظم البحرية العمل في ظلها.
المحيطات تفقد جزءًا من قدرتها على امتصاص الكربون
وتؤدي المحيطات دورًا بالغ الأهمية في الحد من الاحترار العالمي، إذ تمتص جزءًا كبيرًا من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات.
لكن ارتفاع درجة حرارة المياه يهدد بإضعاف هذه الوظيفة الطبيعية.
فكلما ارتفعت حرارة المحيطات، أصبحت أقل كفاءة في امتصاص ثاني أكسيد الكربون , وهو ما قد يضعف إحدى أهم الآليات الطبيعية التي تساعد الكوكب على الحد من تراكم غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي .
وهذا يخلق حلقة مقلقة: الاحترار يؤدي إلى تسخين المحيطات، والمحيطات الأكثر دفئًا تصبح أقل قدرة على امتصاص الكربون، ما قد يؤدي بدوره إلى بقاء كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
إنذار جديد من النظام المناخي
ويأتي الرقم القياسي الجديد لحرارة المحيطات ضمن سلسلة متلاحقة من المؤشرات التي تعكس تسارع التغيرات المناخية عالميًا، من موجات الحر والجفاف والحرائق إلى الأمطار الغزيرة والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر.
وبينما تظل ظاهرة «إل نينيو» عاملًا طبيعيًا في ارتفاع درجات الحرارة، يؤكد العلماء أن تأثيرها الحالي لا يمكن فصله عن الاحترار العالمي الذي تقوده الأنشطة البشرية والانبعاثات الناتجة عن الوقود الأحفوري.
وتشير البيانات إلى أن المحيطات لم تعد مجرد ضحية صامتة لتغير المناخ، بل أصبحت في قلب الأزمة؛ فهي تمتص معظم الحرارة الزائدة، وتخزن كميات هائلة من الكربون، لكنها في الوقت نفسه تتعرض لضغوط متزايدة تهدد قدرتها على الاستمرار في أداء هذه الوظائف.
ومع تسجيل متوسط حرارة بلغ 21.1 درجة مئوية، تقدم المحيطات واحدة من أوضح الإشارات حتى الآن على أن النظام المناخي العالمي يواصل الانتقال إلى مستويات أكثر حرارة، وأن تداعيات هذا التحول باتت تمتد من أعماق البحار إلى المدن الساحلية والاقتصادات والمجتمعات حول العالم.

No comments:
Post a Comment