الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كشفت دراسة علمية جديدة أن تغير المناخ وارتفاع درجات حرارة المحيطات قد يؤديان إلى تراجع كبير في مستويات الأحماض الدهنية الأساسية من نوع «أوميجا-3» في الأسماك والكائنات البحرية التي تدخل في غذائها، بما قد يصل إلى 50% في ظل سيناريوهات الاحترار الشديد.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن الأسماك والمأكولات البحرية تعد من أهم المصادر الغذائية للحمضين الدهنيين «EPA» و«DHA»، وهما من العناصر الأساسية لنمو الدماغ والعينين والحفاظ على صحة القلب ، كما يرتبطان بتقليل الالتهابات المزمنة ومخاطر عدد من الأمراض.
وتشير الدراسة إلى أن الاحترار المستمر للمحيطات لا يهدد النظم البيئية البحرية فحسب، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في القيمة الغذائية للأسماك التي يعتمد عليها ملايين البشر كمصدر رئيسي للعناصر الغذائية.
لماذا تعد أوميجا-3 مهمة؟
تعد أحماض «EPA» و«DHA» من الأحماض الدهنية الأساسية ذات الأهمية الكبيرة لصحة الإنسان.
وتؤدي هذه الأحماض دورًا مهمًا في نمو ووظائف الدماغ والعينين، كما ترتبط بالحفاظ على صحة القلب وتقليل الالتهابات المزمنة، التي تعد عاملًا مرتبطًا بالعديد من الأمراض المزمنة.
كما تشير الأدلة العلمية إلى إمكانية مساهمة هذه الأحماض الدهنية في خفض مخاطر الولادة المبكرة، فضلًا عن احتمال ارتباطها بانخفاض مخاطر بعض أنواع السرطان .
ويمكن لجسم الإنسان إنتاج «EPA» و«DHA» انطلاقًا من حمض «ALA»، وهو أحد أحماض أوميجا-3 الموجودة في بعض الأغذية النباتية ,مثل بذور الكتان والجوز، إلا أن المأكولات البحرية تظل المصدر الرئيسي لهذه الأحماض بالنسبة إلى كثير من الأشخاص.

المحيطات تنتج أوميجا-3 في قاعدة السلسلة الغذائية
تبدأ قصة أوميجا-3 في المحيطات من الطحالب البحرية . التي تعد من الكائنات القليلة القادرة على إنتاج حمضي «EPA» و«DHA».
وتشمل هذه الطحالب الأعشاب البحرية والدياتومات، وهي نوع من العوالق النباتية.
وتشكل الطحالب البحرية قاعدة الشبكات الغذائية في المحيطات , إذ تعتمد عليها مجموعة واسعة من الكائنات البحرية للحصول على العناصر الغذائية.
وعندما تتغذى الكائنات البحرية، مثل اللافقاريات والقشريات ونجوم البحر، على الطحالب , تحصل على أحماض أوميجا-3.
ثم تنتقل هذه الأحماض عبر السلسلة الغذائية عندما تتغذى الأسماك والكائنات البحرية الأكبر حجمًا على اللافقاريات وغيرها من الكائنات الأصغر.
وفي النهاية، تصل أحماض «EPA» و«DHA» إلى الإنسان من خلال المأكولات البحرية التي يتناولها.
وبالتالي، فإن أي اضطراب في مستويات أوميجا-3 عند قاعدة السلسلة الغذائية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الكمية المتاحة للكائنات الموجودة في مستويات أعلى، بما فيها الأسماك والإنسان.
دراسة واسعة تكشف تأثير الاحترار
أجرى الباحثون مراجعة منهجية واسعة لفهم تأثير تغير المناخ على الأحماض الدهنية الأساسية في الكائنات البحرية.
وجمع الفريق وحلل بيانات من 489 تجربة منفصلة شملت 132 نوعًا بحريًا، بينها الطحالب واللافقاريات والأسماك.
وسمح تجميع نتائج هذا العدد الكبير من التجارب بتكوين صورة أوسع حول الكيفية التي يمكن أن تتغير بها القيمة الغذائية للكائنات البحرية مع تغير الظروف البيئية.
وركزت المراجعة على عاملين رئيسيين مرتبطين بتغير المناخ، هما ارتفاع درجة حرارة المحيطات وتحمضها.
ومنذ عام 1980، ارتفعت درجات حرارة المحيطات بنحو 0.6 درجة مئوية، بينما تضاعف عدد موجات الحر البحرية.
وتشير التوقعات المناخية إلى إمكانية ارتفاع درجات حرارة المحيطات بما يصل إلى نحو 4.1 درجة مئوية بحلول عام 2100، وفق السيناريوهات المستخدمة في الدراسة المرجعية.

انخفاض أوميجا-3 مع ارتفاع الحرارة
قسم الباحثون تأثيرات الاحترار إلى مستويات مختلفة، لدراسة كيفية استجابة الكائنات البحرية لارتفاع درجات الحرارة .
وأظهرت المراجعة المنهجية أن الاحترار الذي يتراوح بين 0 و6 درجات مئوية أدى في التجارب إلى انخفاض مستويات أحماض أوميجا-3 في الأسماك بنسبة 19%.
وأجريت هذه التجارب على فترات تراوحت بين 24 ساعة و6 أشهر.
ولا تعكس هذه النسبة التأثير الكامل المحتمل لتغير المناخ في الطبيعة؛ إذ تشير الدراسة إلى أن الأسماك قد تتعرض لتأثير إضافي نتيجة انخفاض القيمة الغذائية للكائنات التي تتغذى عليها.
وفي ظل سيناريوهات الاحترار الشديد، التي تتجاوز فيها الزيادة في درجات الحرارة 10 درجات مئوية في ظروف التجارب، انخفضت مستويات أوميجا-3 بنحو 50% في الأسماك، و34% في الطحالب، و51% في اللافقاريات.
وتكشف هذه النتائج عن احتمال حدوث اضطراب متدرج في القيمة الغذائية على امتداد الشبكة الغذائية البحرية بأكملها.
ارتفاع الدهون المشبعة
لم يقتصر تأثير ارتفاع الحرارة على خفض أحماض أوميجا-3، إذ أظهرت النتائج أيضًا زيادة مستويات الدهون المشبعة بنسبة تصل إلى 22%.
وتعد الدهون المشبعة أقل فائدة من الأحماض الدهنية غير المشبعة، وتوجد بكميات كبيرة في العديد من منتجات اللحوم والألبان.
وبالتالي، يمكن أن يؤدي تغير التركيب الدهني للكائنات البحرية إلى تقليل القيمة الغذائية للأسماك والمأكولات البحرية، في الوقت الذي تعتمد فيه أعداد كبيرة من البشر عليها كمصدر للبروتين والعناصر الغذائية الأساسية.

الاحترار أكثر تأثيرًا من تحمض المحيطات
وجد الباحثون أن ارتفاع درجة حرارة المحيطات كان له تأثير أكبر على مستويات الأحماض الدهنية مقارنة بتحمض المحيطات.
ويحدث تحمض المحيطات نتيجة امتصاص مياه البحر جزءًا من ثاني أكسيد الكربون المتزايد في الغلاف الجوي، وهو ما يؤدي إلى تغير كيمياء مياه المحيطات.
ورغم أن تحمض المحيطات يمكن أن يؤثر في العديد من الكائنات البحرية، تشير نتائج الدراسة إلى أن ارتفاع درجة الحرارة يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في اضطراب مستويات الأحماض الدهنية.
لماذا تفقد الأسماك أوميجا-3؟
يرتبط التغير في تركيب الدهون بآلية بيولوجية تساعد الكائنات البحرية على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة.
وتحتاج الكائنات الحية إلى الحفاظ على وظائف خلاياها في ظل تغير الظروف البيئية.
وعندما ترتفع درجة الحرارة، تصبح أغشية الخلايا، التي تحتوي على الدهون، أكثر مرونة وسيولة.
ولمواجهة هذا التغير، يمكن للكائنات أن تستبدل جزءًا من أحماض أوميجا-3 بدهون مشبعة أكثر صلابة، ما يساعد على الحفاظ على استقرار أغشية الخلايا.
وتعرف هذه العملية باسم «التكيف اللزوجي المتوازن» (Homeoviscous Adaptation)، وهي آلية تساعد الكائنات على الحفاظ على الخصائص الفيزيائية المناسبة لأغشية خلاياها رغم تغير درجات الحرارة .
تهديد للأمن الغذائي وصحة الإنسان
يمثل تراجع أوميجا-3 في الأسماك مشكلة صحية محتملة على نطاق عالمي.
ففي المناطق الاستوائية، تعاني بعض المجتمعات بالفعل ضعف جودة النظم الغذائية وعدم الحصول على كميات كافية من هذه الأحماض الدهنية.
وفي الدول المتقدمة أيضًا، لا يحصل كثير من الأشخاص على المستويات الموصى بها من أوميجا-3.
وقد يصبح سد هذه الفجوة أكثر صعوبة إذا أدى تغير المناخ إلى خفض تركيز أوميجا-3 في الأسماك والمأكولات البحرية.
وتزداد خطورة هذه المشكلة في ظل تعرض مخزونات الأسماك لضغوط متزايدة نتيجة الصيد الجائر وغيرها من التأثيرات البشرية على المحيطات.
وبذلك يمكن أن يتقاطع تغير المناخ مع أزمات قائمة بالفعل في قطاع الثروة السمكية، ما يضاعف المخاطر التي تواجه الامن الغذائي والتغذية في العديد من المجتمعات.

التأثير يمتد إلى الكائنات البحرية نفسها
لا تقتصر أهمية أوميجا-3 على الإنسان؛ فهذه الأحماض الدهنية تؤدي أيضًا وظائف حيوية لدى الكائنات البحرية نفسها.
وترتبط أوميجا-3 بعمليات النمو والتكاثر ووظائف المناعة لدى العديد من الكائنات البحرية.
ومن ثم، فإن انخفاض مستويات هذه الأحماض في قاعدة الشبكة الغذائية أو مستوياتها المختلفة قد يؤدي إلى آثار بيئية تتجاوز مجرد انخفاض القيمة الغذائية للمأكولات البحرية التي تصل إلى الإنسان.
وقد تتسبب هذه التغيرات في التأثير على العلاقات الغذائية بين الأنواع، وعلى قدرة بعض الكائنات على النمو والتكاثر والتكيف مع الضغوط البيئية المتزايدة.
تغير المناخ يضاعف مخاطر أزمة التغذية
تسلط نتائج الدراسة الضوء على جانب أقل وضوحًا من تداعيات تغير المناخ؛ فارتفاع حرارة المحيطات لا يهدد فقط أعداد الأسماك أو موائلها، بل قد يغير أيضًا نوعية الغذاء الذي توفره النظم البيئية البحرية للإنسان.
وهذا يعني أن قياس آثار تغير المناخ على الأمن الغذائي لا ينبغي أن يقتصر على كمية الأسماك المتاحة، بل يجب أن يشمل أيضًا قيمتها الغذائية وتركيز العناصر الأساسية فيها.
ومع استمرار ارتفاع درجات حرارة المحيطات وتزايد موجات الحر البحرية، قد يصبح الحفاظ على جودة الغذاء البحري تحديًا متزايدًا للباحثين وصناع السياسات وقطاعات الصيد والاستزراع المائي.
الحد من الانبعاثات ضرورة لحماية الغذاء البحري
يرى الخبراء أن الحد من أسوأ آثار تغير المناخ يتطلب خفضًا عاجلًا لانبعاثات غازات دفيئة.
وتضيف نتائج الدراسة سببًا جديدًا إلى قائمة الدوافع المرتبطة بخفض الانبعاثات، يتمثل في حماية القيمة الغذائية للموارد البحرية التي يعتمد عليها البشر.
ولا يتعلق الأمر فقط بالحفاظ على التنوع البيولوجي أو حماية الشعاب المرجانية والمحيطات، بل يمتد إلى ضمان استمرار توفير العناصر الغذائية الأساسية للسكان من مصادرهم الغذائية التقليدية.
الاستفادة من مخلفات الأسماك
في الوقت نفسه، تشير الدراسة إلى فرصة يمكن الاستفادة منها لمواجهة جزء من التحديات المستقبلية، وهي الحد من هدر المنتجات البحرية.
وتُهدر كميات كبيرة من الأسماك خلال عمليات التصنيع الغذائي، إذ يمكن أن تصل نسبة الأجزاء التي يجري التخلص منها إلى 80% من أجزاء بعض الأسماك.
ومع توقع انخفاض القيمة الغذائية للأسماك مستقبلًا نتيجة تغير المناخ، يمكن إعادة توظيف هذه الأجزاء بدلًا من التخلص منها.
ومن بين الخيارات المطروحة إنتاج زيوت الأسماك الغنية بأحماض أوميجا-3 وغيرها من العناصر الغذائية، أو استخدام أجزاء الأسماك في إنتاج أعلاف ذات قيمة غذائية لقطاع الاستزراع المائي.
ويمكن أن تساعد هذه الحلول في تعظيم الاستفادة من الموارد السمكية المتاحة وتقليل الفاقد الغذائي، لكنها لا تمثل بديلًا عن معالجة السبب الرئيسي للمشكلة، والمتمثل في استمرار ارتفاع حرارة المحيطات بسبب تغير المناخ.
المحيطات أمام تحدٍ غذائي ومناخي متزايد
تكشف الدراسة عن مسار جديد لتأثير تغير المناخ في صحة الإنسان، يبدأ من ارتفاع حرارة المحيطات، ويمتد إلى الطحالب واللافقاريات والأسماك، وينتهي عند مائدة الإنسان.
ومع احتمال انخفاض أحماض أوميجا-3 في الأسماك بصورة كبيرة في ظل الاحترار الشديد، فإن تغير المناخ قد لا يقلل فقط من قدرة المحيطات على دعم النظم البيئية، بل قد يؤثر أيضًا في جودة الغذاء البحري وقيمته الغذائية.
وتشير النتائج إلى أن حماية المحيطات من الاحترار المتسارع أصبحت جزءًا من معركة أوسع لحماية الأمن الغذائي والصحة العامة، بالتوازي مع ضرورة تقليل الانبعاثات، والحد من الصيد الجائر، وتقليل هدر المنتجات السمكية، وتطوير حلول أكثر كفاءة للاستفادة من الموارد البحرية. نقلا عن موقع المستقبل الأخضر

No comments:
Post a Comment