الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كتب الباحث البيئي : خالد أبو علي في رحلته الى جنين ...
مِن شَقَائِــقِ النُّعْمَـانِ إِلَى حِجَــارَةِ كَنْعَــان
مَسَارُ الذَّاكِرَةِ وَالْمَـاءِ وَالْهُوِيَّـةِ بين عَانِيـن والطَّيِّبَـة وتَعِنِّـك
في صباح الجمعة 23-01-2026، حملنا الشوق وتركنا المدن خلفنا، ومضينا مع فريق "امشي وتعرّف على بلدك" نحو شمال الضفة الغربية، صوب جنين العريقة، الجالسة على خاصرة مرج ابن عامر، أكبر سهول فلسطين وأخصبها ذاكرةً وقمحًا وتاريخًا. استغرقت الرحلة قرابة ثلاث ساعات، كانت كافية لأن نستعيد في الطريق معنى السفر الفلسطيني: انتقال بالجسد، وعودة بالروح إلى الجذور. في جنين، التحقتُ بالحافلة برفقة الصديق ربيع ياسين، منسق لجنة تنشيط السياحة البيئية في المحافظة، لنبدأ مسارًا يُقرأ كما تُقرأ القصائد، ويُعاش كما تُعاش الحكايات القديمة.
عَانِيـن … قرية على تخوم الجغرافيا والجرح
انطلقت الحافلتان من شارع حيفا غربًا، تحملان قرابة مئة مشّاء فلسطيني، نحو قرية عَانِيـن ، أقصى غرب جنين، المطلة على أحراش أم الفحم، والمحتضنة لوادٍ منخفض جنوبًا، على ارتفاع يقارب 400 متر عن سطح البحر.لكن الجغرافيا هنا ليست بريئة؛ فالقرية، الواقعة على خط الهدنة، سُلب منها نحو 4000 دونمًا، ويمر بجوارها جدار الفصل العنصري في قوسٍ خانقٍ يحاصر المكان والذاكرة معًا. هناك، حيث تتقاطع الطبيعة مع السياسة، أدركنا أن المشي في فلسطين هو رياضة وفعل مقاومة هادئة، واستعادة للحق عبر الخطى.
بين الزيتون والعيون… ماء الأرض وذاكرة الطريق
من عَانِيـن، رافقنا الأدلاء المحليون علي ياسين وفؤاد محاميد، وسرنا بين الجبال الشماء، بمحاذاة عين إبديع، وتحت ظلال الزيتون الرومي الذي يشبه أعمدة التاريخ في ثباته ووقاره. هبطنا نحو الوديان، وتوقفنا عند عين أم الديوك، حيث استراح الفريق والتقط الصور، وكأننا نوثّق لحظة صفاء نادرة بين الماء والحجر والشمس. ثم واصلنا المسير باتجاه قرية والطَّيِّبَـة / طَّيِّبَـة جنين، الواقعة على مرتفعات جبلية غرب المدينة، بارتفاع يتراوح بين 180 و380 مترًا، وكأنها شرفة تطل على مرج ابن عامر، وتفتح ذراعيها للريح والضوء.
شقائق النعمان… حين تزهر الذاكرة وطنًا
في تلك الجبال، كانت المفاجأة الكبرى: شقائق النعمان، بألوانها الأربعة : الأحمر، الأبيض، الزهري، والبنفسجي تنتشر كقصيدة مفتوحة على سفوح الأرض. فرح الفريق بها كما يُفرح بلقاء قديم، وامتد البصر عبر بساط أخضر مرصّع بأزهار مبكرة: مخلب القط، وعوينة الزيتون، والغيصلان، وأزهار الشجيع، وورق اللسان، والزعموط، والغاشية او حبل المساكين وغيرها من نباتات البر الفلسطيني التي تحفظ في أوراقها طبّ الأرض وذاكرتها.
يخلط الناس أحيانًا بين شقائق النعمان والحنون (الخشخاش الأحمر)، لكن شقائق النعمان Anemone coronaria زهرة شتوية تبدأ تفتحها في كانون الثاني وتستمر حتى آذار، تتفتح صباحًا وتغلق بتلاتها مساءً، وكأنها تتنفس مع الضوء. ارتبطت هذه الزهرة في الوعي الفلسطيني بدم الشهداء، فصارت رمزًا للخصب والفداء معًا، تجمع بين الجمال والألم، وبين الحياة والتاريخ.
ولو أن شقائق النعمان اكتفت بحمرة بتلاتها لكفاها، لكنها طموحة في ألوانها: من الأحمر الناري إلى البنفسجي، فالزهري، فالأبيض، فالقرمزي، حتى الأرجواني. لذلك لم تُسمَّ مفردة، بل جاءت بصيغة الجمع: شقائق النعمان، كأنها تقول إن الجمال لا يكون وحيدًا.
وجهُ البراري يتورد بحضورها ويصبح جاهزاً للغزل، وحين تفترش السهول بها سرعان ما نتذكر أبيات "شاعر الجرح الفلسطيني" محمود درويش:
نزَف الحبيبُ شقائقَ النُّعْمان
أَرضُ الأرجوان تلألأتْ بجروحِهِ،
أُولى أَغانيها: دَمُ الحُبُّ الذي سفكته آلهةٌ،
وآخرُها دَمٌ...
يا شعبَ كَنْعَانَ احتفلْ
بربيع أَرضك، واشتعلْ
كزهورها، يا شعب كنعان المُجَرَّدَ من
سلاحك، واكتملْ!
أشجار فلسطين… الغابة التي تحفظ الهوية
على امتداد المسار، التقينا بأشجار فلسطين الأصيلة: البطم الفلسطيني، الخروب، البلوط، الأجاص البري، واللوز. كانت الشمس تنسكب بين الأغصان، والعدسات تلاحق الضوء، بينما الأرواح تستعيد علاقتها الأولى بالطبيعة، حيث لا شيء يفصل الإنسان عن الشجرة سوى الامتنان.
خُرق الضبع… امتحان الصبر والقدمين
اتجهنا نحو منطقة جبلية وعرة تُعرف باسم خُرق الضبع في أراضي خربة الطَّيِّبَـة ، حيث الصخور منحوتة بفعل مياه الوادي، والمغارات موزعة كأسرار قديمة في خاصرة الجبل.كان المسار صعبًا، يتطلب لياقة وصبرًا وتأنيًا، لكنه كافأنا بإحساس نادر: أن تعبر الطبيعة كما تعبر مرحلة من حياتك، فتخرج منها أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من ذاتك. ومن هناك، انفتح الطريق شرقًا، نحو الحضارة الكنعانية العريقة، حيث تبدأ الحكاية من جديد.
تَعِنِّـك … القرية التي تسكن التاريخ
تقع تَعِنِّـك إلى الشمال الغربي من جنين، على بعد عشرة كيلومترات، بمحاذاة طريق جنين - حيفا الذي قطعه الاحتلال بحاجز سالم. تتربّع القرية على سفح تل أثري يعود للعهد الكنعاني، وتعاقبت عليه الحضارات كما تتعاقب الفصول على شجرة زيتون عتيقة.
تلّ تَعِنِّـك … مدينة كنعانية على شرفة مرج ابن عامر
على بعد ثمانية كيلومترات شمال غرب جنين، يقف تل تَعِنِّـك شامخًا، مطلًا على مرج ابن عامر، واحدًا من أقدم المواقع الأثرية في فلسطين. تعنك مدينة كنعانية ما زالت قائمة حتى اليوم، وتحتضن آثارًا تعود للعصور البرونزية الأولى والثانية والثالثة، حيث وُجدت تحصينات تعكس أهمية الموقع الاستراتيجية.
استمر الاستيطان في التل خلال العصر الحديدي، ثم في الفترة الرومانية، حيث لا تزال بقايا الحمامات الرومانية شاهدة على حياة مدنية مزدهرة. كما عُثر على مقبرة إسلامية مبكرة، وآثار تعود للعصر العباسي، حين أقام والي جنين قصره في تل تعنك في القرن الحادي عشر الميلادي، ولا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.
ورد ذكر تَعِنِّـك في رسائل تلّ العمارنة، حيث عقد ملكها صلحًا مع ملك مجدو (تل المتسلم)، ما يدل على مكانتها السياسية في المشهد الكنعاني القديم. واسمها ذاته يعني الأرض الطينية الرملية الخصبة، وهو وصف يليق بقرية تمتد جذورها في عمق مرج ابن عامر.
السرايا والمغاور… حين يتكلم الحجر
يحتوي تلّ تَعِنِّـك على مواقع أثرية عدة، أبرزها منطقة السرايا في منتصف التل، التي كانت مركز المدينة ومحاطة بأسوار دفاعية، لكنها تهدّمت بفعل الزمن والتعرية.وخلال تجوال الفريق، شاهدنا مغاور محفورة في الأرض تضم غرفًا مقوسة بأبواب منفصلة، كانت تُستخدم للسكن أو للدفن، فيما استُخدمت الكهوف الأخرى كإسطبلات وتخزين للأعلاف والغذاء. والآثار هنا هي شواهد حياة كاملة، تنبض في الصمت.
من التنقيب إلى الحماية… تل تعنك في الذاكرة الوطنية
أُجريت أولى الدراسات الأثرية للتلّ في العهد العثماني، وأبرزها بعثة ألمانية منحته حضورًا واسعًا في كتب التاريخ والآثار الأوروبية، حتى أصبح يُدرّس في الجامعات الألمانية .اليوم، يشكل تلّ تَعِنِّـك نقطة جذب للسياحة الثقافية، وموقعًا مسجّلًا ضمن قائمة الآثار الفلسطينية المهمة، بما يحويه من معالم كنعانية لا تزال ظاهرة فوق الأرض، وأخرى تستدعي الغوص في باطنها لاكتشافها.
يقف تلّ تَعِنِّـك شامخًا في وجه المحن، حارسًا لمرج ابن عامر العامر بالعطاء، وشاهدًا على تعاقب الإنسان الفلسطيني على هذه الأرض منذ فجر الحضارة.
مرج ابن عامر… سهل القمح والكنعانيين، وسلّة غذاء فلسطين
حين أطلّ الفريق من علوّ تلّ تَعِنِّـك على هذا السهل الفسيح، بدا مرج ابن عامر كبحرٍ أخضر لا تحدّه العين، تتماوج فيه سنابل القمح كما لو كانت أمواج حياة لا تنضب. من الشمال لوّحت جبال الناصرة والمزار ونورِس، ومن الشرق ارتفعت جبال الجلبوع الكنعانية كقلاعٍ من الزمن تحرس المشهد ومن الغرب بدت للفريق جبال الكرمل في حيفا عروس البحر. هنا، سهل مرج ابن عامر هو سلّة غذاء فلسطين وذاكرتها الزراعية الأولى، حيث امتزجت خصوبة الأرض بتاريخ الإنسان، فصار القمح هوية، والماء صلاة، والحقول وعدًا متجددًا بالحياة.
ختام المسار… حين نحمل الورد بدل الغبار
غادر فريق "امشي وتعرّف على بلدك" مدينة جنين بعد مسير امتد لنحو عشرة كيلومترات، محمّلين بالورد البري، وبالصور، وبذاكرة جديدة عن حضارة عاشت هنا وما زالت آثارها ماثلة للعيان.
كان المسار حقا رحلة مشي بقيادة الصديق عبد الفتاح حجة والأصدقاء المساعدون؛ كان المسار عودة إلى الذات، ومصافحة للتاريخ، واعترافًا صريحًا بأن هذه الأرض مهما تغيّرت خرائطها ما زالت تعرف أسماءنا، وتزهر لنا شقائق نعمان كلما عبرناها بحب.






No comments:
Post a Comment