الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
تقع خربة المراجم بين قريتي المغير شرق رام الله ودوما جنوب نابلس، كإحدى الشواهد الحيّة على عمق الوجود الفلسطيني في المنطقة، وعلى واقع متصاعد من الاستهداف والتضييق الاستعماري الذي يهدد بقاءها وسكانها.
يؤكد خالد يوسف داود، أحد أبناء الخربة، أن عائلته تقيم في المراجم منذ العهد العثماني، مشيرًا إلى أن ملكية أراضيها تعود إلى جده أسعد حمد الله عواد. ويروي أن جده أرسل نحو 300 جندي من أبناء قرية تلفيت للمشاركة في حرب البلقان، ولم يعد منهم أحد، ليمنحه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لاحقًا مكافأة تمثلت في نحو 50 ألف دونم من الأراضي الممتدة بين المغير ودوما.
وقبل عام 1967، كانت خربة المراجم تضم 67 منزلًا، إلا أن حرب النكسة شكلت نقطة تحوّل حادة، إذ تراجع العدد إلى 13 منزلًا فقط، فيما لم يبقَ اليوم سوى أربعة منازل تأوي خمس عائلات، ما يعكس تراجعًا ديمغرافيًا خطيرًا.
ويشير داود إلى أن الخربة شهدت منذ عام 1984 حالة من الهجرة التدريجية وترك الأراضي دون زراعة أو رعاية، فيما لجأ بعض المالكين إلى بيع أراضيهم عبر وكالات رسمية وبوساطة كتاب عدل إسرائيليين أو أردنيين، لمصلحة حملة الهوية الإسرائيلية من سكان القدس، محذرًا من خطورة هذه الظاهرة وما تفتحه من باب لتسريب الأراضي وتعزيز التوسع الاستعماري.
ورغم ذلك، يلفت داود إلى أن سلطات الاحتلال لم تصادر أراضي الخربة رسميًا حتى الآن، ولم تُصدر أوامر إخلاء بحق سكانها، لكنها صنّفتها منطقة أثرية استنادًا إلى قانون يعود إلى عام 1966 خلال الحكم الأردني، في خطوة يراها شكلًا من أشكال الاستهداف غير المباشر.
وتقع خربة المراجم ضمن المناطق المصنفة (ج) بحسب اتفاقية أوسلو، وتبلغ مساحتها قرابة 50 ألف دونم، تعود ملكيتها لأراضي أربع قرى هي: دوما، وقريوت، والمغير، وتلفيت. ويعيش فيها اليوم نحو 50 فردًا، بينهم أطفال ونساء، في ظروف معيشية صعبة تفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار.
ويصف داود واقع الحياة اليومية في الخربة بأنه محفوف بالمخاطر، موضحًا أنه اضطر إلى ترك عمله في مجال السياحة والسفر بمدينة نابلس، والبقاء مرابطًا في الخربة للدفاع عن أرضه ومنزله، في ظل تصاعد اعتداءات المستعمرين.
ويؤكد أنه تعرض منذ عام 2023 لنحو 93 اعتداءً، شملت الاعتداء الجسدي، وإحراق الممتلكات، وتخريب المحاصيل، وإطلاق النار، وتدمير مركبته ومحتويات منزله، دون أن يُحاسَب أي من المعتدين، رغم تقديم شكاوى موثقة لشرطة الاحتلال.
وبعد مقتل أحد رعاة المستعمرين العام الماضي، أقيمت بؤرة استعمارية جديدة قرب الخربة، تحولت بسرعة إلى تجمع يضم عشرات الكرفانات، وشُقت له طرق عسكرية، في مقابل تضييق متزايد على الفلسطينيين، وصل إلى حد منعهم من الزراعة والرعي والوصول إلى منازلهم.
وينتقد داود تقاعس بعض أصحاب الأراضي الغائبين والمجالس القروية، إلى جانب ضعف تدخل المؤسسات الرسمية والحقوقية الفلسطينية، معتبرًا أن الدعم يقتصر في أحيان كثيرة على مبادرات محدودة من مؤسسات أجنبية.
ويعرب سكان الخربة عن مخاوفهم من أن يكون تصنيفها "منطقة أثرية" مقدمة لتهجيرهم، كما حدث في خِرَب مجاورة أُفرغت بالكامل من سكانها، محذرين من مخطط أوسع يستهدف تفريغ المنطقة الشرقية من الفلسطينيين. ويقول داود: "إذا سقطت المراجم، ستسقط دوما والمغير تباعًا".
ورغم كل التحديات، يؤكد داود تمسكه بالأرض، قائلًا: "لن أعيش ذليلًا خارج وطني، سأبقى هنا حيًّا أو ميتًا بكرامة".
من جانبه، يصف نسيم مسلم، أحد سكان الخربة وضابط الأمن الوقائي المتقاعد، واقعًا يوميًا من الاعتداءات، مشيرًا إلى أن المستعمرين يقتربون من منزله لمسافة لا تتجاوز 30 مترًا، ويدخلون بمواشيهم تحت حماية مسلحين.
ويؤكد أن الاعتداءات تصاعدت بشكل ملحوظ بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث استُبدلت الأغنام بالأبقار لإحداث دمار أكبر، وتُنفذ الاقتحامات مرات عدة أسبوعيًا.
وفي آذار/مارس الماضي، أُحرقت منازل مسلم وأحد أقاربه بالكامل، ويقول إن النيران التهمت كل شيء، فيما حالت المسافة الطويلة دون وصول سيارات الإطفاء في الوقت المناسب.
ويضيف أن الاحتلال يمنع البناء بالإسمنت، ما اضطر العائلات إلى استخدام الزينكو والصفيح في ترميم منازلها، فيما تقلص عدد العائلات في الخربة من 14 عائلة عام 2018 إلى عدد محدود اليوم، ويضطر الأطفال لقطع مسافة ثلاثة كيلومترات يوميًا للوصول إلى مدارسهم في دوما.
وتأتي معاناة خربة المراجم في سياق أوسع من الاعتداءات، إذ وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تنفيذ 23,827 اعتداءً من قبل قوات الاحتلال والمستعمرين خلال عام 2025، طالت الأراضي والأفراد والممتلكات، في تصعيد يعكس طبيعة المشروع الاستعماري الهادف إلى السيطرة على الأرض وتفريغها من سكانها الأصليين.
.jpg)
No comments:
Post a Comment