الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
يقع وادي المنيعة في جنوب فلسطين، على بُعد نحو 30 كيلومترًا شمال خليج العقبة وبلدة أم الرشراش (إيلات)، ويُعد من المناطق الغنية بخام النحاس، حيث شهد نشاطًا تعدينياً مكثفًا منذ الألفية الخامسة قبل الميلاد. ويضم الوادي مساحات واسعة تحتوي على بقايا قديمة لعمليات تعدين النحاس، إضافة إلى مواقع يُرجّح أنها كانت أماكن عبادة قديمة.
وخلال فحص منسوجات ملوّنة عُثر عليها في وادي المنيعة، فوجئ الباحثون باكتشاف بقايا نسيج وشرابة وألياف صوف مصبوغة باللون الأرجواني الملكي. وأثبت التأريخ المباشر بالكربون المشع أن هذه المكتشفات تعود إلى نحو عام 1000 قبل الميلاد، أي إلى العصر الحديدي.
ويُعد هذا الاكتشاف الأول من نوعه، إذ لم يُسبق العثور على منسوجات مصبوغة بالأرجواني تعود إلى العصر الحديدي في فلسطين، بل ولا في كامل منطقة بلاد الشام. ووصفت الدكتورة نعمة سوكنيك هذا الاكتشاف بأنه بالغ الأهمية، موضحة أن اللون الأرجواني في العصور القديمة كان حكرًا على الملوك والنبلاء والكهنة، نظرًا لجماله وثباته وصعوبة إنتاجه، إذ تُستخرج صبغته من كميات ضئيلة موجودة في أنواع محددة من الرخويات البحرية، مما جعله من أثمن الأصباغ، وأحيانًا أغلى من الذهب.
وقبل هذا الاكتشاف، اقتصرت الأدلة على صناعة الأرجواني في العصر الحديدي على بقايا أصداف الرخويات وقطع فخارية تحمل آثار الصبغة، أما الآن فقد توفّر، وللمرة الأولى، دليل مباشر على الأقمشة المصبوغة نفسها، المحفوظة منذ ما يقرب من ثلاثة آلاف عام.
وقد جرى التعرف على نوع الصبغة في مختبرات متخصصة باستخدام تقنية التحليل الكروماتوغرافي السائل عالي الأداء (HPLC)، التي كشفت عن جزيئات صبغية فريدة لا توجد إلا في أنواع معينة من الرخويات. وتشير الدكتورة سوكنيك إلى أن غالبية المنسوجات الملوّنة المعروفة في وادي المنيعة وفي المواقع الأثرية عمومًا كانت تُصبغ بأصباغ نباتية متاحة وسهلة الاستخدام، بينما يُعد استخدام الأصباغ الحيوانية مؤشرًا واضحًا على المكانة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة.
وساهم المناخ الصحراوي شديد الجفاف في وادي المنيعة في الحفاظ الاستثنائي على المواد العضوية، مثل المنسوجات والحبال والجلود من العصر الحديدي، وهي حالة نادرة لا تماثلها إلا مواقع لاحقة مثل كهوف البحر الميت. وقد تركزت الحفريات الحديثة، منذ عام 2013، في موقع داخل الوادي يُعرف باسم “تلة العبيد”، وهو اسم قد يكون مضللًا، إذ تشير الأدلة إلى أن العاملين هناك لم يكونوا عبيدًا، بل عمال معادن مهرة يمتلكون معرفة متقدمة في صهر النحاس.
فقد كانت منطقة تمناع مركزًا مهمًا لإنتاج النحاس في العصر الحديدي، وهو مورد استراتيجي يمكن تشبيهه بأهمية النفط في العصر الحديث. وكان صهر النحاس يتطلب معرفة ميتالورجية دقيقة وسرية، ما جعل القائمين عليه نخبة تقنية عالية المهارة في زمانهم.
وتعزز هذه الاكتشافات فرضية وجود مجتمع طبقي ونخبة اجتماعية في وادي المنيعة، كما تشير إلى وجود علاقات تجارية مع مناطق الساحل الفلسطيني، إذ إن الرخويات المستخدمة في إنتاج الصبغة الأرجوانية تعيش في البحر الأبيض المتوسط. وإلى جانب الأرجواني، كشفت المنسوجات المكتشفة عن استخدام أصباغ نباتية حمراء وزرقاء، ظهرت على عشرات الشظايا النسيجية المزخرفة، مما يقدّم صورة غنية عن تقنيات الصباغة واللباس في جنوب فلسطين خلال العصر الحديدي.

No comments:
Post a Comment