الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
شهد قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة الأخيرة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي استمرت نحو عامين، تصعيداً غير مسبوق تجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية، واستهدف الإنسان والبيئة ومقومات الحياة، وشمل القتل الجماعي، وتدمير البنية التحتية، والتهجير القسري لمئات الآلاف، إلى جانب الحرمان من المياه والغذاء والرعاية الصحية والطاقة. كذلك برز بُعد أخطر تمثل في التدمير البيئي الشامل، الذي حول البيئة إلى ساحة صراع وأداة حرب.
لقد أحدثت الحرب تحولات جذرية في المشهد الحياتي والبيئي ما أدى إلى انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وتلوث مصادر المياه، وحرائق، وجرف واسع للأراضي، وتراكم الأنقاض والنفايات، مع ارتفاع معدلات الأمراض وانتشار الأوبئة. كما شملت آثارها قطاعات الحياة كافة، إذ تعرضت الموارد الطبيعية، والمرافق الحيوية، والمناطق السكنية لاستهداف مباشر، ما حوّل القطاع إلى مساحة منكوبة بيئياً وإنسانياً، ومثقلة بالجوع والأوبئة، ومحرومة من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
تحوّل القطاع إلى منطقة منكوبة بيئياً وإنسانياً، يعيش فيها أكثر من مليوني شخص في ظروف غير صالحة، بينما نزح أكثر من مليون داخلياً إلى مدارس مدمرة وملاجئ مكتظة وخيام بدائية، من دون الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادتين 49 و50 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.[1] وقد يرقى وفق تقارير أممية إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، بما يشمل إبادة جماعية بيئية وإنسانية مترابطة متكاملة تستهدف الإنسان وموارده الطبيعية.
في ضوء حجم الانتهاكات البيئية والتحديات الناجمة عنها، تهدف هذه الورقة إلى تحليل الأضرار البيئية، واستعراض سيناريوهات محتملة لتطور الوضع، وتقديم بدائل عملية لمواجهة الانهيار البيئي، وتقييم الإمكانات الواقعية لتنفيذ هذه البدائل، وصولاً إلى اقتراح مجموعة توصيات تضمن حماية البيئة وحقوق السكان واستدامة الموارد الطبيعية في ظل النزاعات المسلحة.
الإبادة البيئية: الإطار المفاهيمي والتحليلي
يُستخدم مصطلح الإبادة البيئية للإشارة إلى إلحاق أضرار جسيمة، واسعة النطاق، وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية، سواء بقصد مباشر أو مع العلم بأن هذه الأضرار ستقوّض شروط الحياة الإنسانية. وشكّل اعتراف الاتحاد الأوروبي بجريمة "الإبادة البيئية" في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، من خلال إدراجها كجريمة مشددة في القانون الأوروبي، تطوراً نوعياً في مسار المساءلة البيئية، وهو تعريف ينطبق على طبيعة الأضرار البيئية التي لحقت بقطاع غزة.[2] ويختلف هذا المفهوم عن التدمير البيئي العرضي الذي قد ينجم عن العمليات العسكرية من دون أن يكون هدفاً بحد ذاته، فالإبادة البيئية تفترض وجود نمط متكرر، واتساع في نطاق الضرر، واستمرارية في آثاره، بما يجعل البيئة عاجزة عن التعافي الذاتي.
في الحالة الغزية، تتجسد الإبادة البيئية في تداخل متعمد بين استهداف الإنسان واستهداف موارده البيئية، بحيث يؤدي تدمير البيئة إلى تعميق الأزمة الإنسانية، ويحول الاحتياجات الأساسية، كالمياه والغذاء والطاقة إلى أدوات ضغط وسيطرة. وعليه، فإن استخدام هذا المفهوم لا ينطلق من توصيف أخلاقي فحسب، بل من قراءة تحليلية لطبيعة الأضرار ونطاقها ووظيفتها السياسية.
السياسات والأهداف الإسرائيلية تجاه البيئة في قطاع غزة
أولاً: أدوات الضغط البيئي
يتعرض القطاع البيئي في غزة لانتهاكات ممنهجة منذ عام 2007 وحتى عام 2021، وتصاعدت بشكل غير مسبوق خلال حرب 2023، عبر تدمير واسع للبنية التحتية الحيوية خلّف أضراراً بيئية طويلة الأمد، وأدت هذه السياسات إلى نزوح مئات الآلاف من السكان من شمال وادي غزة نحو الجنوب ثم إلى منطقة المواصي،* التي لا تتجاوز مساحتها 3٪ من مساحة القطاع، حيث تكدس النازحون في ظروف تفتقر إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والغذاء. كما تسبب تدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، ونقص الوقود، بتراكم مئات الأطنان من النفايات، بالإضافة إلى حطام يُقدَّر بعشرات ملايين الأطنان، ما فاقم التلوث وانتشار الأمراض.[3]
وفي هذا السياق، يعيش أكثر من مليون نازح داخلي في ظروف بيئية وصحية بالغة السوء، حيث يصل معدل الاكتظاظ إلى أكثر من 15 شخصاً في الغرفة الواحدة. وقد أفرزت هذه الظروف آثاراً مضاعفة على الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، ما يعكس بعداً اجتماعياً واضحاً لسياسات التدمير البيئي الممنهج.
وتتداخل الإبادة البيئية بصورة مباشرة مع سياسات التجويع، إذ تعاني نحو 90٪ من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يواجه أكثر من 650 ألف طفل خطر سوء التغذية الحاد والموت جوعاً، في ظل تدمير الأراضي الزراعية، واستهداف مخازن الغذاء وتكيات الإغاثة، وعرقلة إدخال المساعدات الإنسانية. كما شهدت الخدمات الأساسية انهياراً شبه كامل، حيث انقطعت الكهرباء بشكل شبه تام، وتلوثت أكثر من 88٪ من آبار المياه الجوفية، وتعطلت أنظمة الصرف الصحي، ما أدى إلى تصريف كميات هائلة من المياه العادمة مباشرة في الشوارع والمناطق السكنية والبحر، مُحدثة تدهوراً حاداً في النظام الساحلي والبيئة البحرية.[4]
ثانياً: الآثار البنيوية الطويلة الأمد
ولا يقتصر التدمير على الحاضر فحسب، بل يستهدف المستقبل أيضاً، حيث شُلّت العملية التعليمية بشكل كامل بعد تدمير آلاف المدارس والجامعات وتحويل مئات المنشآت التعليمية إلى مراكز إيواء، ما حرم أكثر من 785 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم، بالإضافة إلى استشهاد أكثر من 13,500 طالب و830 معلماً منذ بدء العدوان. وفي سياق سياسات التجويع، أغلق الاحتلال معابر القطاع لأكثر من 600 يوم، ومنع دخول الشاحنات، واستهدف مراكز توزيع الغذاء، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 460 شخصاً بسبب الجوع وسوء التغذية، وأكثر من 2600 من المُجوّعين فيما يُعرف بـ"مصائد الموت" المرتبطة بالمساعدات الإنسانية، الأمر الذي يعمّق الأثر البنيوي الطويل الأمد لهذه السياسات على المجتمع الفلسطيني.[5]
أنماط الإبادة البيئية في قطاع غزة (تشرين الأول/أكتوبر 2023 – كانون الأول/ديسمبر 2025):
تكشف المعطيات الميدانية أن استهداف البيئة في قطاع غزة اتخذ أنماطاً متعددة ومترابطة، جميعها تهدف إلى تقويض القدرة على البقاء وتعطيل فرص التعافي البيئي والإنساني. ويمكن تصنيف هذه الأنماط ضمن ثلاثة مستويات رئيسة: البيئة الطبيعية، والبيئة الحضرية، والبيئة الهجينة، مع آثار مباشرة على الحياة والصحة العامة.
فيما يلي عرض للأنماط المنهجية الإسرائيلية التي ساهمت في تدمير مقومات الحياة الأساسية للسكان، والتي تعكس نمطاً متعمداً لاستهداف الإنسان والبيئة معاً.
أولاً: تدمير البيئة الطبيعية
المياه والصحة العامة
تُعدُّ أزمة المياه والصرف الصحي أحد أبرز تجليات الانهيار البيئي في قطاع غزة، إذ تعاني 93٪ من الأسر من انعدام الأمن المائي، بمتوسط لا يتجاوز 8.4 ليترات للفرد يومياً، وهو أقل من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (15 ليتراً)، وقد أدى تدمير أكثر من 80٪ من شبكات المياه والصرف الصحي إلى تلوث واسع للخزان الجوفي الساحلي، المصدر شبه الوحيد لمياه الشرب.[6]
وتوقفت جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تصريف المياه غير المعالجة في بحيرات موقتة مهددة بالفيضان إلى الشوارع والمنازل، مع خطر تسربها إلى الخزان الجوفي. ويعيش نحو نصف الأسر على مقربة لا تتجاوز عشرة أمتار من مياه صرف أو مياه راكدة، ما يرفع احتمالات تفشي الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه. ويشير هذا النمط إلى استخدام المياه كأداة حرب وضبط سكاني، ويحول الحق في الوصول إلى المياه إلى أداة ضغط سياسي وأمني وسيطرة.[7]
تلوث الهواء والتربة
ساهم القصف المكثف واستخدام الذخائر المختلفة في تلوث الهواء والتربة، بالإضافة إلى بقاء آلاف الجثامين تحت الأنقاض، ما خلق بيئة خصبة لانتشار الأوبئة والأمراض. كذلك يشكل وجود الذخائر غير المنفجرة تهديداً مستمراً لحياة المدنيين وفرق الإنقاذ، ويقوض أي جهود مستقبلية للتعافي البيئي وإعادة الإعمار. [8]
التنوع البيولوجي والبيئة الساحلية
يكشف التدمير الواسع الذي طال التنوع البيولوجي والبيئة الساحلية والبحرية في قطاع غزة عن نمط منظم من الإضرار بالمنظومات البيئية الطبيعية، إذ أدى تصريف المياه العادمة غير المعالجة إلى البحر الأبيض المتوسط إلى تقويض النظام البيئي البحري، والإضرار بمصادر الرزق المرتبطة به، وتهديد الصحة العامة على نطاق واسع. وفي السياق نفسه، تعرضت مسارات هجرة الطيور لأضرار جسيمة، رافقها تغير ملحوظ في سلوك الحيوانات البرية على نحو يهدد تكاثرها ويُنذر بفقدان أنواع كاملة، بما يخلّف تداعيات بيئية طويلة الأمد. وقد دُمّر أكثر من 25٪ من وادي غزة، إحدى أهم الأراضي الرطبة الساحلية في حوض شرق المتوسط، الأمر الذي أدى إلى أضراراً بيئية تقدر قيمتها بـ 411 مليون دولار أميركي.[9]
كما أسفر العدوان عن تدمير واسع طال مختلف مكونات التنوع البيولوجي، براً وبحراً، نتيجة استخدام أسلحة محرمة وتخريب البنية التحتية، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات، واحتراق مساحات واسعة من الغطاء النباتي، وخسارة أنواع مهددة بالانقراض. ويترافق ذلك مع تلوث واسع النطاق ووجود ضحايا تحت الأنقاض، الأمر الذي عمّق التداخل بين الكارثة البيئية والإنسانية.[10] وتشير هذه الأنماط مجتمعة إلى أن التدمير البيئي في غزة لا يستهدف الواقع الراهن فحسب، بل يضرب مقومات المستقبل أيضاً، عبر إنتاج بيئة مختلة التوازن وغير قادرة على التعافي الذاتي، بما يفرض تحديات طويلة المدى على الأمن البيئي والغذائي والصحي للسكان.
ثانياً: تدمير البيئة الحضرية
المأوى والبنية التحتية
أدى الهجوم الواسع النطاق على قطاع غزة عن تدمير ما يقارب 90٪ من البنية التحتية المدنية، وسيطرة القوات الإسرائيلية على أكثر من 80٪ من مساحة القطاع عبر الاجتياحات العسكرية والنيران الكثيفة والتهجير القسري، وقد شمل ذلك تدمير 300 ألف وحدة سكنية تدميراً كلياً، وتضرر 200 ألف وحدة أُخرى بشكل جزئي أو بالغ.[11]
وامتد هذا الدمار إلى المرافق الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والمراكز الحكومية والمدارس ودور العبادة والبنية الخدماتية العامة، الأمر الذي حوّل أحياءً كاملة إلى مناطق غير قابلة للعيش، وأدى إلى تفكك الشبكات الأساسية للمياه والطاقة والصرف الصحي. ويضاعف هذا النمط من التدمير المنهجي هشاشة السكان، ويقوّض فرص التعافي في المدى القريب والبعيد، عبر إعادة إنتاج ظروف معيشية غير مستقرة ومخاطر صحية وبيئية متفاقمة.
الكهرباء ونقص الوقود
تراجعت قدرة توليد الكهرباء في قطاع غزة بأكثر من 80٪، ما أدى إلى انقطاعات تصل إلى 22 ساعة يومياً، مع اعتماد العمليات الإنسانية والخدمات الأساسية على المولدات العاملة بالوقود الأحفوري نتيجة انهيار الشبكة الكهربائية المركزية. وقد انعكس هذا النقص الحاد على تشغيل المستشفيات، ومحطات المياه والصرف الصحي، والتعليم، والنشاطات الاقتصادية، ما زاد من هشاشة السكان وعمّق الأزمات الإنسانية والبيئية.[12]
انهيار الخدمات الصحية
أدى الهجوم على قطاع غزة إلى تدمير أكثر من نصف المستشفيات والمراكز الصحية تدميراً كلياً، بعد خروج 38 مستشفى و96 مركزاً صحياً عن الخدمة. أمّا المرافق المتبقية فتعمل في ظروف هشة، من دون أدوية أو وقود كافٍ، ما عرقل تطبيق بروتوكولات مكافحة العدوى، ورفع معدلات الأمراض.[13]
ولم يقتصر التدمير على الحرب الأخيرة؛ فقد كانت الهجمات الإسرائيلية على المنشآت الطبية في غزة جزءاً من استراتيجية مستمرة منذ عام 2008:
2008-2009: تضررت 58 مستشفى و29 سيارة إسعاف، واستشهد 16 من العاملين الصحيين، وأصيب 25 آخرون.
2012 و2014: تكررت الهجمات على المستشفيات وسيارات الإسعاف، مع سقوط قتلى وجرحى من الطواقم الطبية.
2021: ألحق القصف أضراراً بـ33 مركزاً صحياً، واستشهد اثنان من كبار الأطباء.
2008-2021: نفذت إسرائيل نحو 180 هجوماً على المنشآت الطبية.[14]
خلال العدوان الأخير منذ 7 أكتوبر 2023، بلغ عدد الشهداء 72,027 شهيداً و171,561 مصاباً، بينهم أكثر من 1670 من أفراد الطواقم الطبية، في حين تعرضت خدمات الرعاية الصحية لأكثر من 788 هجوماً، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية وانهيار النظام الصحي الفلسطيني.
ثالثاً: تدمير البيئة الهجينة (الطبيعية–الحضرية)
تم تصنيف بعض القطاعات في غزة كبيئة هجينة لأنها تتأثر بالبيئة الطبيعية (التربة والمياه) وبالبيئة الحضرية (الحواجز، وشبكات النقل والمرافق، وسوء إدارة الموارد)، مما يجعلها نقاط التقاء لتأثيرات كلا النوعين من التدمير. ويعكس هذا التصنيف طبيعة الأضرار المتشابكة التي تلحق بالقطاع البيئي، حيث تتداخل عوامل التلوث والنفايات مع تدهور الأراضي الزراعية، ما يضاعف المخاطر الصحية والبيئية ويعيق جهود التعافي.
النفايات والأنقاض
يشهد قطاع غزة كارثة بيئية نتيجة تراكم أكثر من نصف مليون طن من النفايات الصلبة، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة إدارة النفايات بسبب تدمير آليات الجمع وتضرر الطرق. واضطرت البلديات إلى إنشاء مكبات موقتة قرب المناطق السكنية، مسببة تلوث الهواء، وانتشار أمراض جلدية وتنفسية، وتكاثر الحشرات والقوارض، بالإضافة إلى انبعاث الغازات السامة، حيث يتعرض أكثر من 42 ٪ من السكان لمخاطر صحية نتيجة هذه النفايات.
وقد أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية تفاقم هذه المخاطر، مع تسجيل أكثر من 40,000 حالة التهاب الكبد الوبائي (A) خلال أول عشرة أشهر من العدوان، علاوة على تفشي الأمراض المرتبطة بالنفايات، ما يعكس العلاقة المباشرة بين تدهور إدارة النفايات وانتشار الأمراض المعدية. وتضررت خمسة من أصل ستة مرافق لإدارة النفايات الصلبة في غزة، ما ساهم في تراكم نحو 1200 طن من القمامة يومياً حول المخيمات والملاجئ، في بيئات مكتظة تضاعف المخاطر الصحية والبيئية على السكان.[15]
ويُضاف إلى ذلك حجم الركام الهائل الناتج من الحرب، والمقدّر بنحو 50 مليون طن، منها 2.3 مليون طن مختلطة بمخلفات خطرة مثل الأسبستوس، إلى جانب آلاف الأطنان من النفايات الطبية والمتفجرات، وإلقاء أكثر من 100 ألف طن من المتفجرات والقنابل.[16] إن هذه الكميات الهائلة من الأنقاض تجعل التعافي البيئي شبه مستحيل وتخلق بيئة مستمرة للضغط الصحي والبيئي.
القطاع الزراعي
أظهر تقييم حديث، استناداً إلى صور جوية حتى 30 آذار/مارس 2025، أن نحو 81٪ من المساحات الزراعية في قطاع غزة تعرضت للتدمير نتيجة التجريف والقصف وتحرك الآليات العسكرية الثقيلة مع ارتفاع ملحوظ في نسب التدمير في محافظتي خان يونس ورفح؛ إذ ارتفعت من 67٪ إلى 74٪، ما يعكس التدهور السريع والمستمر في البنية الزراعية للقطاع، ما أدى إلى تفكيك منظومة الأمن الغذائي وخلق تبعية دائمة للمساعدات الإنسانية.[17]
ويتجلى العنف البيئي الإسرائيلي في تجريف الأراضي الزراعية، وتقييد المحاصيل، وإتلاف الصوب، والقضاء شبه الكامل على بساتين الزيتون والحمضيات، إلى جانب توسيع المنطقة العازلة واستخدام مبيدات سامة عبر طائرات الرش، ما تسبب بأضرار تتجاوز 13 كيلومتراً مربعاً بين عامي 2014 و2018، وألحق أضراراً واسعة بالتربة والنباتات. كما أدى نقص الوقود إلى لجوء السكان إلى قطع الأشجار للطهي والتدفئة، ما فاقم التدهور البيئي. بالإضافة إلى هذا، يتسبب القصف والهدم المتكرر بتلوث طويل الأمد للتربة والمياه الجوفية نتيجة الذخائر والمواد الخطرة المنبعثة من المباني المدمرة.[18]
من جهة أُخرى، شدد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عام 2019 على أن قيام الجيش الإسرائيلي بالرش الجوي الدوري للمبيدات منذ عام 2014 ألحق أضراراً مباشرة بالأراضي الزراعية الواقعة على جانب غزة من السياج الحدودي، وأدى في كانون الثاني/يناير 2018 إلى تضرر نحو 550 فداناً من الأراضي الزراعية، متسبباً بخسائر قُدّرت بنحو 1.3 مليون دولار أميركي.[19]
رابعاً: آثار الإبادة البيئية على الحياة والصحة العامة
1- انتشار الأمراض
أدى تداخل أنماط التدمير البيئي إلى تفاقم الأزمات الصحية، حيث ظهرت أمراض مثل الجرب، والجدري المائي، والتهاب الكبد الوبائي (A)، والإسهالات الحادة، وشلل الأطفال، مع تسجيل أول حالة شلل أطفال لطفل غير مطعّم في دير البلح.[20] كما يعاني أكثر من مليون فلسطيني من أمراض جلدية معدية، في ظل غياب المياه النظيفة وتدهور مرافق النظافة، ما يعوق جهود منع انتشار الأمراض المعدية.[21]
وأدى نزاع تشرين الأول/أكتوبر إلى تدمير واسع للبنية التحتية للرعاية الصحية، ما اضطُر إلى تقديم الخدمات الطبية في بيئات مكتظة وغير صحية، وعطل بروتوكولات مكافحة العدوى، مثل التعقيم وعزل المرضى. وقد خلقت هذه الظروف بيئة مثالية لتفشي الأمراض المعدية وزيادة المخاطر الصحية، وحولت قطاع غزة إلى بؤرة بيئية وصحية خطرة، حيث يشكل تدمير المرافق الصحية وظروف النزوح والاكتظاظ تهديداً كبيراً لسلامة السكان، ويعزز مقاومة مضادات الجراثيم ذات الأثر المحتمل عالمياً.[22]
2- النزوح القسري وإدارة مواقع الإيواء
انعكست الخسائر البشرية الواسعة وحركات النزوح القسري بصورة مباشرة على التركيبة السكانية في غزة، إذ شهد القطاع خلال عامين تراجعاً حاداً وغير مسبوق في عدد السكان قُدّر بنحو 254 ألف نسمة، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 10.6٪ مقارنة بالتقديرات السكانية قبل العدوان، ليبلغ عدد سكانه الحالي نحو 2.13 مليون نسمة، في مؤشر على ما وصفه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بأنه نزيف ديموغرافي حاد ناجم عن القتل والتهجير وتدهور الأوضاع المعيشية.[23]
وعلى المستوى الميداني، تواصل وكالة الأونروا رصد تحركات النازحين ومواقع النزوح، حيث قُدّر حتى 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن نحو 77 ألف نازح يعيشون في 85 ملجأ تديرها الأونروا أو في محيطها، في ظل اكتظاظ شديد ونقص حاد في الخدمات الأساسية، ما يعكس حجم التحديات اليومية التي يواجهها السكان جراء النزوح القسري وتدهور الظروف المعيشية.[24]
ويزيد تهجير السكان من حدة الأزمة الصحية والبيئية، إذ يقيم نحو نصف سكان غزة في ملاجئ شديدة الاكتظاظ وسط نقص حاد في إجراءات النظافة، ما يخلق بيئة مؤاتية لتفشي الأمراض المعدية وتسارع مقاومة مضادات الجراثيم، ويعمّق الضغط على الموارد البيئية المحدودة، بما يحول هذه الظروف إلى تهديد طويل الأمد للصحة العامة والبيئة.
وتوضح الوقائع الميدانية أن السياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة لم تقتصر على الأضرار العسكرية المباشرة، بل اتخذت طابعاً منهجياً واستراتيجياً لاستهداف البنية التحتية الحيوية، والبيئة، والمجتمع المدني بشكل متكامل، إذ يظهر من الإجراءات الموثقة استهداف مزدوج للإنسان والطبيعة معاً، بما يحول البيئة إلى أداة حرب، ويعمق من أزمات الصحة العامة والغذاء والمياه، ويؤدي إلى تهديد طويل الأمد للتنوع البيولوجي والقدرة الإنتاجية للقطاع. وتدل هذه السياسات على وجود نمط ممنهج للإبادة البيئية يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لمساءلة هذا التدمير وفق القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية لحماية البيئة خلال النزاعات المسلحة، بما يشمل اتفاقيات جنيف والالتزامات البيئية الدولية.
الإبادة البيئية في قطاع غزة من منظور القانون الدولي
تعاني البيئة الفلسطينية من نمط مزدوج من الضرر يتمثل أولاً في هشاشتها البنيوية الناجمة عن تداعيات التغير المناخي، وثانياً في سياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي التي تفاقم هذا التدهور بصورة منهجية ومتعمدة. ويؤدي هذا التداخل بين التغير المناخي وسياسات الاحتلال إلى تعميق الأضرار البيئية وتقويض قدرة النظم الطبيعية على الصمود والتعافي، الأمر الذي يستوجب تفعيل قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي للبيئة، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية البيئة في أثناء النزاعات المسلحة، وتطبيق الاتفاقيات الدولية التي تحظر استخدام وسائل وأساليب قتال ذات آثار بيئية مدمرة وواسعة النطاق وطويلة الأمد.[25]
إن التدمير البيئي الواسع النطاق في قطاع غزة يشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمها الحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في التمتع ببيئة صحية وسليمة. ويؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ضرورة توفير ظروف بيئية تضمن بقاء الإنسان وكرامته، كما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة (1949) قوة الاحتلال بضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة للسكان المدنيين، وهو ما يتم تقويضه بصورة منهجية من خلال الإضرار المتعمد بالبيئة.[26]
وعلى المستوى الدولي، يحظر القانون الدولي الإنساني صراحة الإضرار الجسيم بالبيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، إذ تنص القاعدة 45 من القانون الدولي الإنساني العرفي على حظر استخدام أساليب أو وسائل قتال يُقصد بها أو يُتوقع منها إحداث أضرار بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية، كما تحظر استخدام تدمير البيئة كسلاح حرب، وهو ما تؤكده المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.[27]
وبإسقاط هذا الإطار القانوني على حالة قطاع غزة، فإن الأوضاع الإنسانية والصحية والبيئية، وفق شهادات منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها الإغاثية والصحية والبيئية العاملة مع النساء والأطفال، تشير إلى حالة بالغة الخطورة على مختلف الصعد، وترتقي من حيث طبيعتها ونطاقها واستمراريتها إلى مستوى "الإبادة البيئية"، كما حددها القانون الدولي الإنساني العرفي، من خلال التسبب بأضرار جسيمة واسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية.
السيناريوهات المحتملة لواقع النظام البيئي في قطاع غزة
في ضوء المعطيات البيئية والإنسانية والقانونية، يصبح من الضروري الانتقال من توصيف الواقع إلى استشراف المسارات المحتملة لمستقبل النظام البيئي في قطاع غزة، في ظل استمرار العدوان أو توقفه، ومستوى تدخل المجتمع الدولي وقدرته على فرض آليات حماية ومساءلة فعالة.
السيناريو الأول: وقف إطلاق نار هشّ واستمرار التدهور البيئي
يفترض هذا السيناريو استمرار وقف إطلاق النار شكلياً مع خروقات جزئية، من دون رفع فعلي للقيود المفروضة على قطاع غزة. في هذا السياق، تقتصر التدخلات على المساعدات الإنسانية الطارئة، مع غياب خطط متكاملة لإعادة تأهيل البنية البيئية، وهو ما يؤدي إلى استمرار تلوث المياه والتربة، وتراكم النفايات والأنقاض، وتفاقم المخاطر الصحية، بما يرسخ حالة تدهور بيئي مزمن، ويُبقي القطاع في دائرة الاعتماد الدائم على الإغاثة.
السيناريو الثاني: تعافٍ بيئي جزئي وإعادة إعمار مقيدة
يفترض هذا السيناريو تهدئة أطول نسبياً تسمح بإطلاق مشاريع إعادة إعمار محدودة، ضمن قيود سياسية وأمنية قائمة. ويشمل ذلك إعادة تأهيل جزئي لبعض مرافق المياه والصرف الصحي والطاقة، ومعالجة انتقائية للأنقاض، من دون معالجة شاملة لمصادر التلوث أو ضمان سيادة بيئية فلسطينية. ويحقق هذا السيناريو تحسناً محدوداً في المؤشرات البيئية والصحية، لكنه يبقى تعافياً هشاً وغير مستدام، وقابلاً للانهيار مع أي تصعيد جديد.
السيناريو الثالث: التعافي البيئي المشروط وإعادة البناء المستدام
يفترض هذا السيناريو تثبيت وقف إطلاق النار بصورة دائمة، ورفع القيود المفروضة على إدخال المواد والمعدات، والشروع في إعادة إعمار شاملة مشروطة بمعالجة الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب. ويرتكز على إزالة الأنقاض الملوثة، وإدارة النفايات الخطرة، وإعادة تأهيل الموارد المائية والأراضي الزراعية، وربط إعادة الإعمار بآليات مساءلة قانونية عن جريمة الإبادة البيئية. وعلى الرغم من كلفته وتعقيد متطلباته، فإن هذا السيناريو يُعدُّ الوحيد القادر على وقف التدهور البيئي البنيوي وضمان قابلية الحياة في قطاع غزة على المدى المتوسط والطويل.
البدائل الممكنة لمواجهة الانهيار البيئي والإمكانات الواقعية للتنفيذ
في مواجهة هذه السيناريوهات، تبرز الحاجة إلى بلورة بدائل سياساتية عملية لمواجهة الانهيار البيئي في قطاع غزة، تأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي القائم، والقيود المفروضة، والإمكانات المتاحة محلياً ودولياً.
فيما يلي أبرز هذه البدائل:
البديل السياساتي | الإمكانات الواقعية للتنفيذ | القيود والمخاطر | المزايا | الوصف |
الاستجابة البيئية الطارئة | مرتفعة نسبياً في ظل القيود الحالية، لكنها ذات أثر موقت | لا يعالج أسباب التدهور البنيوية، ويرسخ الاعتماد على المساعدات، وقابل للانهيار مع أي تصعيد | يقلل الوفيات وانتشار الأوبئة على المدى القصير، وسهل التنفيذ نسبياً | التركيز على التدخلات العاجلة لمعالجة المخاطر الصحية المباشرة، مثل توفير مياه نظيفة، وإزالة جزئية للنفايات، والحد من انتشار الأمراض |
التعافي البيئي المجتمعي | متوسطة، وتتطلب دعماً تقنياً وتمويلياً محدوداً | محدود النطاق، وغير قادر على معالجة التلوث الواسع والبنية التحتية المدمرة | يعزز صمود المجتمع المحلي، ويقلل جزئياً من الاعتماد الخارجي | دعم مبادرات محلية لامركزية، مثل الزراعة الحضرية، وحصاد مياه الأمطار، والطاقة الشمسية الصغيرة |
إعادة الإعمار البيئي المستدام والشامل | منخفضة إلى متوسطة على المدى القصير، لكنها الأعلى أثراً واستدامة | مرتفع الكلفة، يتطلب رفع القيود، ودعماً سياسياً ومالياً دولياً، وآليات مساءلة فعالة | يعالج جذور التدهور، ويضمن استدامة بيئية، ويعيد قابلية الحياة إلى القطاع | خطة متكاملة لإعادة تأهيل المياه، والصرف الصحي، والطاقة، وإدارة الأنقاض والنفايات الخطرة، واستصلاح الأراضي الزراعية، مرتبطة بالمساءلة القانونية |
البديل الأمثل | البديل الثالث، ممكن تدريجياً في حال توفر إرادة سياسية دولية وضغط حقوقي | يواجه مقاومة سياسية دولية، ويتطلب ضغطاً دبلوماسياً مستمراً | يكسر حلقة التدمير وإعادة التدمير، ويحمي البيئة وحقوق السكان | اعتماد مقاربة شاملة تربط التعافي البيئي بالعدالة البيئية والمساءلة الدولية ورفع الحصار |
التوصيات:
بناءً على تحليل الواقع وطرح البدائل السابقة، توصي الورقة بما يلي:
تعزيز الصحة العامة والأمن الغذائي: توفير مياه شرب نظيفة ومعقمة، ومساعدات غذائية وطبية عاجلة لجميع النازحين، إلى جانب تحسين شبكة الصرف الصحي وإدارة النفايات لتفادي انتشار الأمراض، واستئناف حملات التحصين.
رفع الوعي والتثقيف البيئي والصحي: تنفيذ برامج تعليمية ومبادرات مجتمعية لتعزيز السلوك البيئي السليم والوقاية من الأمراض المعدية، مع التركيز على جميع الفئات، وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن.
إعادة الإعمار البيئي المستدام: وضع استراتيجية لتنفيذ مشاريع إعادة إعمار غزة بقيادة المجتمع المحلي، تشمل شبكات مستقلة للمياه والطاقة والزراعة، مع مراعاة تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة وتعزيز القدرة على التكيف مع آثار تغير المناخ.
رفع الحصار وتأمين وصول المساعدات الإنسانية: فتح ممرات آمنة لإدخال الوقود والمياه ومواد الإغاثة والإنشاء، وضمان وصول المساعدات الطبية والغذائية وإجلاء المرضى للعلاج في الخارج من دون قيود.
إرسال بعثة تحقيق دولية ومساءلة المسؤولين: توثيق الانتهاكات البيئية والإنسانية وإحالة مرتكبيها إلى المحكمة الجنائية الدولية، مع تفعيل دور برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتقييم الأضرار ووضع خطط عاجلة لمعالجة التلوث والركام والنفايات.
إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار وفرض عقوبات: تأسيس صندوق دولي بإشراف الأمم المتحدة لدعم إعادة الإعمار البيئي والإنساني، مع فرض عقوبات دولية فعالة على دولة الاحتلال، تشمل حظر توريد الأسلحة ووقف التعاون العسكري، والاعتراف بما جرى كجريمة إبادة جماعية بيئية وإنسانية.
.jpg)
No comments:
Post a Comment