الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
في واحدة من أقدم مناطق الاستقرار البشري قرب أريحا، يروي السكان حكاية شجرة رمان معمّرة تُقدّر بنحو مئة عام، تحوّلت من رمز للحياة والخصب إلى شاهد على واقع متدهور يعيشه الأهالي في تجمع “حلق الرمانة”.
ويقع التجمع في وادٍ ضيق على قمة جبل يُشرف على المدينة، حيث استقرت عائلات من المحاليس والمليحات منذ عام 1994، في منطقة مصنفة (أ). ويستذكر السكان أيامًا كانوا يتذوقون فيها ثمار الرمان، قبل أن تتحول حياتهم منذ أواخر عام 2023 إلى معاناة متواصلة بفعل تصاعد الاعتداءات.
تراجع سكاني وضغوط متزايدة
ويقول جهاد المحاليس، المتحدث باسم اللجان الأهلية لمتابعة قضايا الاستعمار في المنطقة، إن نحو نصف السكان اضطروا إلى الرحيل نتيجة هذه الاعتداءات، حيث انخفض عدد العائلات من حوالي 30 إلى نحو 15 عائلة.
وبحسب شهادات محلية، يواجه الأهالي اقتحامات متكررة تشمل سرقة الممتلكات، وملاحقة الرعاة، وإتلاف مصادر الرزق، إضافة إلى إغلاق الطرق الترابية ومنع الوصول إلى الأراضي، فضلاً عن اعتداءات جسدية وترويع للسكان، خاصة النساء والأطفال.
عزلة قسرية وخسائر اقتصادية
ورغم قرب التجمع من مناطق الخدمات في بلدية الديوك والنويعمة، والتي لا تبعد سوى نحو 400 متر، إلا أن إغلاق الطرق وسيطرة المستعمرين أجبرت السكان على استخدام طرق التفافية طويلة تمتد لعدة كيلومترات.
كما تكبد الأهالي خسائر كبيرة في قطاع تربية المواشي، بعد تسجيل سرقة نحو 170 رأسًا من الأغنام خلال الفترة الأخيرة، ما دفع العديد منهم إلى تقليص نشاطهم الزراعي والحيواني، في ظل مخاوف مستمرة من تكرار الاعتداءات.
محاصرة ببؤر استعمارية
ويحاصر “حلق الرمانة” عدد من المستعمرات والبؤر الاستعمارية، أبرزها مستعمرة “ميفئوت”، التي ينطلق منها المستعمرون لتنفيذ هجماتهم، وفق إفادات السكان.
ويمتد التجمع على مساحة تُقدّر بنحو 16 ألف دونم، من وادي المقوق شمالًا حتى وادي القلط جنوبًا، في حين لا تتجاوز المساحة السكنية 100 دونم فقط، ويقطنه نحو 100 نسمة.
“تطفيش” ممنهج
وفي السياق، يؤكد المشرف العام لمنظمة “البيدر” للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، أن ما يحدث يندرج ضمن سياسة “التطفيش” الهادفة إلى تهجير السكان قسرًا.
وأشار إلى توثيق نحو 70 اعتداءً منذ بداية العام، ضمن نمط متكرر من الضغوط اليومية التي تجعل الحياة في المنطقة صعبة إلى حد لا يُحتمل، تمهيدًا لدفع السكان إلى الرحيل.
وأضاف أن وتيرة الاعتداءات تصاعدت منذ عام 2023، وباتت أكثر تنظيمًا، وتشمل فرض قيود على الحركة والرعي، ومحاولات للسيطرة على الأراضي المحيطة بالتجمع.
تمسّك بالأرض رغم الظروف
ورغم هذه التحديات، لا تزال بعض العائلات متمسكة بالبقاء، مطالبة بشق طريق مختصر بطول نحو 450 مترًا لتسهيل الوصول إلى مساكنها، بدل الطرق الطويلة الحالية.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى شجرة الرمان التي حملت المنطقة اسمها حاضرة في ذاكرة السكان، كشاهد على تاريخ طويل من الحياة، يقابله حاضر يزداد قسوة يومًا بعد يوم في الأغوار الفلسطينية.

No comments:
Post a Comment