الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كتب الباحــث البيئــي خالــد أبــو علــي
في جبال فلسطين، حيث ينام الحجر على ذاكرة الريح، تولد الأشنات كأنها لوحاتٌ منسوجة من ضوءٍ ورطوبة. تتسلّل بألوانها بين الشقوق، ترسم على الصخور حكاياتٍ صامتة، وتمنح الجماد روحًا خضراء تشبه الحلم.
الأشنات هي حكايةُ شراكةٍ نادرة بين طحلبٍ وفطر؛ أحدهما يصنع الغذاء من نور الشمس، والآخر يحمي ويحتضن ويجمع الماء. معًا يكتبان درسًا قديمًا في التكافل: لا حياة لأحدهما دون الآخر، ولا جمال دون هذا التوازن الخفي.
والأشنات (Lichens) ليست نوعًا واحدًا حتى يكون لها اسم علمي واحد، بل هي مجموعة كبيرة جدًا من الكائنات التكافلية (فطر + طحلب أو بكتيريا زرقاء)، ولذلك لكل نوع من الأشنات اسم علمي خاص به.
وفي الذاكرة الشعبية الفلسطينية، الأشنات كائنٍ بيئي، وهي جزء من طقوس الجمال؛ حين كانت الفتيات يجمعنها من الصخور المبللة، يفركنها لتتحول إلى لونٍ قريب من الحنّاء، ثم يرسمن بها نقوشًا على الأيادي، كأن الطبيعة نفسها تشاركهن الزينة.
تنمو الأشنات ببطءٍ يشبه التأمل، لا جذور لها سوى المطر والندى، لكنها قادرة على الصبر في أقسى الظروف؛ تعيش حيث تعجز الحياة، فوق الصخور العارية، وعلى جذوع الأشجار، وفي أعالي الجبال. تمتص الضوء والماء، وتحوّل القسوة إلى استمرار، حتى قيل إن بعضها يعمّر آلاف السنين.
تتنوع ألوانها بين الأصفر والبرتقالي والأخضر والرمادي، وتتشكل بأحجامٍ صغيرة أو متدلية كخيوطٍ ناعمة، لكنها رغم هشاشتها الظاهرة، تؤدي دورًا عظيمًا في الطبيعة؛ تفتت الصخور، وتُمهّد لتكوّن التربة، وتحافظ على توازن البيئة، بل وتدخل في صناعة الأدوية والعطور والأصباغ.
ومع كل هذا الجمال، قد تتحول أحيانًا إلى عبءٍ على بعض الأشجار، حين تغطيها وتعيق عنها الضوء والهواء، فتُضعفها بصمت. لكنها تبقى، في جوهرها، كائنًا يعلّمنا أن الحياة يمكن أن تنبت حتى في أقسى الأماكن، وأن الشراكة سرّ البقاء.
هكذا، تبقى الأشنات وهي النباتات صغيرة… قصيدة بيئية مكتوبة على صخور فلسطين، تهمس لكل عابر: هنا، حتى الحجر يعرف كيف يزهر.
مصدر المعلومات و الصور :https://www.facebook.com/mishwarpal









No comments:
Post a Comment