???????

Friday, April 17, 2026

مسـار بيـت سوريـك… شرفـة الجبـال على ذاكـرة السهـول

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands



كتب الباحث البيئي خالد أبو علي 

تقف بيت سوريك على كتف التلال، على بُعد همسةٍ من القدس، كأنها شرفةٌ حجرية تُطلّ على أوديةٍ من الضوء وسهولٍ تتنفس القمح والزيتون. هناك، تمتدّ الجغرافيا بحنانٍ ريفي، حيث تتعانق الحقول مع الجبال، وتروي الأرض حكاياتها بلغة التراب والمواسم، في قريةٍ تحفظ ملامح التاريخ وتعيش على إيقاع الطبيعة.
لم تكن المسافة بعيدة بيني وبين بيت سوريك، لكن الطريق إلى هناك صار أطول من عمر الحكاية… جدارٌ واحد فقط، لكنه يقسم القلب إلى نصفين: نصف يعيش، ونصف يتذكر.
وقفتُ على حافة التلال، أمدّ بصري نحو ما تبقى من القرى التي كانت هنا… هنا، حيث كانت (القسطل ) تقف شامخة، تحرس الطريق إلى القدس، وهنا، حيث مرّ الشهيد عبد القادر الحسيني كأن صدى خطاه ما زال يتردد بين الحجارة.
ثمانية كيلومترات… بين الذاكرة والبرّية
انطلقنا من أطراف بيت سوريك، نحو مسارٍ بيئيٍّ يمتدّ لثمانية كيلومترات، خطّته الأقدام وقادته الرغبة في أن نرى البلاد… كما يجب أن تُرى. كنّا ما يقارب مئةٍ وعشرين مشّاءً، نمشي مع فريق “امشِ وتعرّف على بلدك”، لكننا في الحقيقة… كنّا نتعرّف على شيءٍ أعمق من الطرق: كنّا نتعرّف على أنفسنا.
حين تتكلم الأرض بالأزهار
في هذا الفصل من نيسان، كانت الأرض في ذروة عطائها، تفرش الأزهار البرّية بساطًا من ألوانٍ لا تُشبه إلا هذه البلاد.بين أقدامنا، تفتّحت الحكاية أعشابٌ برّية تحمل رائحة المطر القديم. كل خطوة كانت تُعيد ترتيب الحواس، وكل نسمةٍ كانت تقول: هذه الأرض ما زالت حيّة… رغم كل شيء.
على دروب بيت سوريك، حيث تمشي الحكاية جنبًا إلى جنب مع الضوء، كانت الأزهار البرّية تكتب نصّها الرومنسي على سفوح الربيع. هناك، انتصب سيف القمح بلونه كفارسٍ نحيل، يلوّح بسنابله الحمراء في وجه الريح، بينما افترشت اللبيدة الأرض بثوبين؛ أبيض كحليب الصباح، وبنفسجي كأسرار المساء. وبينهما اشتعلت شقائق النعمان، حمراء كقلبٍ لا يهدأ، تُذكّر العابرين أن للجمال جذورًا من دمٍ وحب.
وعلى حواف الطريق، ابتسم الأقحوان الأبيض ببساطته النقيّة، كطفلٍ يلوّح للمارّة، فيما مرّت الربحلا بخجلها، نبتةً خفيفة الظلّ، كأنها لا تريد أن تُرى بالكامل. أما ذيل الفرس فكان ينسدل أخضرَ رشيقًا، كضفيرة أرضٍ تعبث بها الرياح، وتتمايل إلى جانبه المدادة البنفسجية، زاحفةً على التراب، تنسج سجادةً ناعمة من اللون والسكينة.
وفي قلب العطر، حضر الزعتر سيّد الرائحة، حادًّا كذاكرة الجدّات، دافئًا كخبز التنور، وتبعته الميرمية بحكمتها، أوراقها الرمادية تُشبه أيادي النساء وهنّ يباركن الصباح. وبين الصخور، رفع القندول الأصفر رأسه، شوكيًّا عنيدًا، كأنه يقول إن القسوة أيضًا تُزهر.
أما الثوم البري الأبيض فكان يبعث رائحته الخفيّة، حضورًا لا يُرى بقدر ما يُحسّ، فيما أشرقت نجمة بيت لحم، بيضاء لامعة، كأنها نجمة سقطت لتستريح على تراب الوطن. وعلى الأطراف، وقف البلان الشوكي حارسًا قاسي الملامح، لكنه يحمل في داخله حياةً لا تُقهر، بينما تمدّد أزهار اللوف بأوراقه العريضة، يخفي أسراره في ظلّه الكثيف.
وهناك، عند انحناءة المسار، مرّت السبيلة بخفّتها، نبتةً تعرف كيف تعيش بين الخطى دون أن تُزعج أحدًا، كأنها وصيّة الأرض: أن امشِ برفق… فكل زهرة هنا تحمل حكاية.
على حافة المشهد… يقف الجدار
سرنا في أراضي الضفة الغربية في شمال غرب القدس، في جغرافيا ما بعد 1967، لكن أبصارنا كانت تمتدّ أبعد… نحو ما وراء الجدار.هناك، خلف هذا الفاصل القاسي، تنام قرى مثل القسطل، وبيت نقوبا، وصوبا، وبيت محسير، عين كارم ، لفتا … لم تكن بعيدة، لكن الوصول إليها صار حلمًا مؤجّلًا، كأن الجدار لم يُبنَ من إسمنتٍ فقط، بل من غيابٍ متراكم.
مسيرٌ نحو الذاكرة… لا نحو النهاية
كان المسار البيئي رياضة جبلية ، وفعل معرفة… وفعل انتماء. كل واحدٍ منّا حمل قصته، لكن الأرض كانت القصة الأكبر، تجمعنا كما لو أننا نعود إليها… لا نغادرها. وحين انتهت الكيلومترات الثمانية، لم ينتهِ الطريق. شيءٌ ما ظلّ ممتدًا في الداخل، كأن الأقدام تعلّمت أن تمشي نحو ما لا يُرى، وأن ترى ما لا يُمكن الوصول إليه.
خاتمة… تشبه البداية
عدنا، لكن الأزهار بقيت هناك، والقرى بقيت خلف الجدار، والذاكرة… بقيت تمشي معنا. وفي كل مرة سنعود فيها إلى هذا المسار، لن نكون وحدنا، سيكون معنا ظلّ تلك القرى، وصوت الأرض، وحكاية شعبٍ يمشي… كي لا ينسى.






No comments:

Post a Comment