الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
خربة سبعيــن ومحميـة أمّ التوت… حكايـة جنين التي تُروى على الأقدام
كتب الباحـث البيئـي خالـد أبـو علـي
الجزء الأول :
حين تمشي… تُصغي الأرض إليك
في مشهدٍ يفيض بالانتماء ويعانق تفاصيل المكان، نظّم فريق “امشي وتعرّف على بلدك” مسارًا بيئيًا تراثيًا إلى خربة سبعين ومحمية أمّ التوت في محافظة جنين، بالشراكة مع مديرية السياحة والآثار، ولجنة تنشيط وتطوير السياحة، ومجلس قروي أم التوت، وبمساندة الشرطة السياحية والدفاع المدني.وشهد المسار مشاركة نحو 120 مشّاءً من مختلف الأعمار والمحافظات، في لوحة وطنية حيّة امتزجت فيها الخطى بنبض الحكاية، وعادت فيها الأرض لتتحدث بلغتها الأولى.
خربة سبعين… ذاكرة الحجر وأثر الحضارات
انطلق المسار من الطريق الواصل بين جنين والزبابدة، متجهًا نحو التلال التي تمايلت بسنابل القمح، وصولًا إلى خربة سبعين؛ ذلك الموقع الأثري الراقد بين أم التوت وحداد. هناك، تتناثر بقايا حضارات مرّت من هنا: مسجد مملوكي، كهوف وآبار قديمة، ومعاصر نبيذ حجرية، في مشهد يروي تاريخًا طويلًا من الحضور الإنساني. وقد استمع المشاركون إلى شرح المختار حسام زكارنة، الذي أضاء على قيمة المكان بوصفه شاهدًا حيًا على تعاقب الأزمنة وتجذّر الهوية.
بين الزهور… حين تتنفس الطبيعة قصائدها
تابع الفريق مسيره بين الجبال، حيث تناثرت الأزهار البرية كأنها أبيات شعرٍ مفتوحة على دفاتر الأرض: الأقحوان الأبيض، والبسباس، والقنطريون الزهري، والشومر البري، والشوك الحليبي، والمدادة البيضاء، وزهرة الزوفا، والفيجن، والسناريا التي تذوّقها المشاركون بفرحٍ طفولي. كانت الروائح تتسلل برفق إلى الذاكرة، تعيد تشكيلها بنقاء الطبيعة، فيما كان الربيع يكتب حضوره على وجوه المشّائين، ويترك في أرواحهم أثرًا أخضر لا يزول، كأن كل زهرة كانت تقول: هنا وطنٌ يُزهر رغم كل شيء.
خطى تنبض بالعطاء
رافق الفريق ربيع ياسين، منسّق لجنة تنشيط السياحة في محافظة جنين، بروحٍ مفعمة بالحماس والانتماء، معبّرًا عن سعادته بمشاركة هذا الفريق النشيط الذي لا يكتفي بالمشي، بل يزرع في كل خطوة بذور العطاء، ويعيد إحياء العلاقة الدافئة بين الإنسان وأرضه. وفي حضوره وتنسيقه بين كافة الأطراف لهذا المسار البيئي، بدى المسار حكاية تُروى بالفعل، حيث يتجدد النبض الوطني عبر الخطى، ويتحوّل الانتماء إلى ممارسة حيّة تنسجها الجبال والوديان.
محمية أمّ التوت… حيث تتجلّى الحياة
مع امتداد الرحلة عبر الجبال والوديان، وصل المشاركون إلى محمية أمّ التوت، التي تنبض بتنوعٍ حيوي غني. تقع المحمية على السفوح الشرقية شمال الضفة الغربية، وتشرف بذاكرتها على مدن الداخل الفلسطيني حتى الكرمل والناصرة. تتوشّح بغابات الخروب والبلوط والسريس والبطم الفلسطيني، وتحتضن عشرات النباتات البرية والكائنات الحية؛ من الثعالب وابن آوى إلى الطيور المغرّدة التي تنسج سماءً من الأصوات. محمية أمّ التوت هي ذاكرة حيّة تختصر حكاية الصمود والجمال الفلسطيني.
الحديقة البيئية… حين تصنع المجتمعات الأمل
بعد مسير دام نحو ثلاث ساعات، وصل الفريق إلى الحديقة البيئية في أم التوت، وهي مبادرة مجتمعية مشتركة يقودها مركز العمل التنموي/معًا بالشراكة مع مؤسسات محلية.استمع المشاركون إلى شرح الدكتور وليد الباشا حول هذه الحديقة التي تُعد نموذجًا حيًا للتنمية المستدامة، حيث تتقاطع فيها المعرفة البيئية مع روح المكان، لتؤكد أن علاقة الفلسطيني بأرضه هي علاقة رعاية وحب ومسؤولية.
قرية أمّ التوت… بساطة الجمال وأصالة الحكاية
في قرية أمّ التوت، حيث تتكئ الحكاية على كتف الزمن، تجوّل الفريق بين حاراتها القديمة التي تحتضن ذاكرة الريف الفلسطيني والتي ما زالت تحفظ وقع الأقدام الأولى، وتتنفّس من بين حجارتها عبق الأجداد. هناك، بدت البيوت التراثية كأنها حارسة للذاكرة، بجدرانها العتيقة وأقواسها الصامتة التي تروي قصصًا من تعب الأرض وكرامة أهلها. سار المشاركون بين الأزقة الضيقة، يلامسون جمال البساطة وأصالة المكان، قبل أن يلتقطوا صورهم التذكارية، كذكرى وكتوثيقٍ حيّ لعلاقةٍ حميمة بين الإنسان ووطنه، حيث تصبح الصورة شاهدًا على لحظة حبٍّ صادقة للأرض.
الأمان… شراكة وطنية حاضرة
رافق طاقم الدفاع المدني الفلسطيني المسار على امتداد نحو 10 كيلومترات، بجهوزية عالية وحضورٍ مهني لافت، في صورةٍ تعكس تكامل المؤسسات الوطنية ووعيها العميق بأهمية حماية الإنسان والطبيعة معًا. لم يكن حضورهم مجرد إجراء احترازي، بل رسالة طمأنينة رافقت خطوات المشاركين، وعنوانًا لثقافة المسؤولية الجماعية التي تُحيط بالأنشطة البيئية. وبين دروب الجبال والسهول، ظلّ هذا الحضور اليقظ شاهدًا على أن الأمان شريكٌ أصيل في كل رحلة، وأن العناية بالحياة هي جزء من حبّ الوطن والانتماء إليه.
استراحة الأرض… طعامٌ بنكهة الحطب
اختُتم المسار في الأحراج بين دير أبو ضعيف وأم التوت قرب وادي " الضبع"، حيث استراح الفريق لتناول الطعام وأداء صلاة الجمعة. هناك، أعدّ فريق الرحّال أحمد الراجح صاجية البندورة مع الخبز العربي، وتم اعداد الشاي على الحطب بنكهة الزعيتمانه البرية، لتفوح رائحة الدفء في المكان، في مشهد يعبر عن كرم الضيافة الأصيل وكأن الطبيعة نفسها تشاركهم المائدة.
حين يصبح المسار حكاية وطن
يأتي هذا المسار بقيادة الصديق عبد الفتاح حجه ضمن جهود متواصلة لتعزيز السياحة البيئية والتراثية، وربط الإنسان بجغرافيته الأولى. حقا كان مسارا وتجوالا بيئيا جميلا بامتياز خط فيه الفريق كتابة حيّة لذاكرة الأرض، وحفظٌ للحكاية الفلسطينية في تفاصيلها اليومية، حيث يصبح المشي مقاومة، والطبيعة وطنًا يُروى ويُعاش.
يتبــع الجـزء الثانـي .....عن موسم الفريكة في جنين







No comments:
Post a Comment