الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحث البيئي : خالد أبو علي
في دير بلوط، تُروى الحكايات وتُكتب كل صباح على تراب الأرض، بخطوات نساء حملن الوطن في سواعدهن، وزرعن الأمل في تفاصيل الحياة. هنا، تتجلّى الحكاية واقعيةً نابضة، تفيض بكرامة الأم الفلسطينية التي لا تنحني، بل تُلين قسوة الأيام كما تُلين التربة بين أصابعها.
هنّ نساءٌ يشبهن الأرض؛ صابرات، خصبات، وملهمات. في تجاعيد وجوههن تختبئ مواسم من التعب والعطاء، وفي عيونهن بريق وعدٍ لا يخبو. يواجهن الأشواك كما يواجهن الاحتلال، ويحوّلن الألم إلى سنابل، والعرق إلى حياة. بأيديهن المتعبة، يصنعن من السهل الأخضر واحاتٍ من الكرامة، ويمنحن الأرض معنى الانتماء.
منذ الفجر وحتى انحناءة الشمس نحو الغروب، تستمر الحكاية. نساءٌ يبدأن نهارهن بزراعة البذور في أواخر شباط، وينتظرن بشغف لحظة “هجوم الفقوس” في أيار، حين تعلن الأرض كرمها، ويبدأ موسم العطاء. مصطلح بسيط، لكنه يحمل فرح الفلاحين، وإيقاع الحياة المتجدد.
وفي كل عام، كان فريق "امشِ وتعرّف على بلدك" يسلك دروبه نحو هذه القرية الوادعة، ليشتري الفقوس ومنتجات الأرض، في محاولةٍ صادقة لدعم صمود المزارع الفلسطيني، الذي يتمسك بأرضه كما يتمسك القلب بنبضه، رغم الحصار وتقطّع الطرق وتغوّل المستوطنات.
هناك، عند مدخل الحكاية، كان ينتظرنا في كل عام ابن البلدة الأصيل، داوود العبد الله، بوجهٍ يفيض دفئًا وانتماء. يستقبل فرق المشّائين بمحبةٍ صادقة، كمن يستقبل أهله العائدين إلى حضن الأرض، ويحثّهم برفقٍ واعتزاز على شراء المنتجات الزراعية التراثية. وما يقوم به داوود كل عام هو حقا فعل انتماءٍ حيّ، ومحاولة نبيلة - وإن بدت متواضعة - لإسناد نساء دير بلوط، ملكات السهل، ودعم صمودهن في وجه ما يثقل الأرض من تحديات.
هناك، في " المرج " الممتد شرق القرية، حيث تتسع الأرض لنحو 1200 دونم من الحكايات، تختبئ " البالوع " في جوف المكان، تجمع مياه المطر كذاكرةٍ مؤجلة، سرعان ما تتبدد دون أن تجد طريقها للاستثمار، كأنها تشبه فرصًا كثيرة ضاعت في زحمة التحديات.
كان المهرجان الزراعي السنوي يوماً عيداً للأرض والناس، مساحةً لتعريف الفلسطينيين بخيرات دير بلوط البعلية، النقية من الكيماويات، والمشبعة بروح التراث. لكنه توقّف، كما توقّفت أشياء كثيرة، تحت وطأة القيود والحواجز والخوف الذي يحاصر الحقول قبل أن يحاصر الطرق.
ومع ذلك، تستمر الحياة.
في " شارع السعادة " المطل على المرج، تتفتح ابتسامات الأطفال كأزهارٍ صغيرة. ينصبون طاولاتهم البسيطة، يبيعون الفقوس والحمص والذرة والترمس، يحاولون أن يكون لهم دور في إعالة أسرهم. مشهد بريء، لكنه عميق، تقوده بصمت تلك الملكات اللواتي ينسجن تفاصيل هذا الاقتصاد الصغير بحكمة الأمهات.
إنه عمل نسائي بامتياز؛ من البذرة حتى السوق، من التعب إلى الفرح، من الأرض إلى المائدة .
دير بلوط، بسهلها الخصيب، هي قرية صامدة في مواجهة الصعاب، وهي سلة غذاء تنبض بالحياة. من الفقوس إلى القمح، ومن البامية إلى دوار الشمس، تتنوع المحاصيل كما تتنوع الحكايات، وكلها تعود إلى ذات الجذر: الإنسان المرتبط بأرضه.
يروي كبار السن أن الأرض كانت تُزرع قديماً بالذرة والبطيخ والسمسم، حتى جاء عام 1976، فبدأت رحلة الفقوس، بحثاً عن مردود أفضل وحياة أكثر استقراراً. لكن رغم كل التطور، ما زال المزارعون بحاجة إلى دعم حقيقي: بذور محسّنة، أدوات حديثة، إرشاد زراعي، وحماية من الأخطار التي تهدد محاصيلهم، ومنها الخنازير البرية.
تبقى الحكاية مفتوحة...
حكاية نساءٍ يكتبن الوطن كل يوم بالتراب المقدس ، وحكاية أرضٍ، كلما ضاقت بها السبل، اتّسعت بقلوب من يحبّونها.
مصدر الخبر و الصور : https://www.facebook.com/mishwarpal



No comments:
Post a Comment