الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
دراسة جديدة: ارتفاع الحرارة قد يعزز المناعة مؤقتًا ثم يزيد خطر العدوى
لم يعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية تتعلق بدرجات الحرارة أو ذوبان الجليد , بل أصبح عاملاً مباشرًا يعيد تشكيل العلاقة بين الكائنات الحية والأمراض التي تصيبها.
فبحسب أبحاث علمية حديثة، فإن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس يؤثران بشكل مباشر على جهاز المناعة لدى الفقاريات، بغض النظر عن طريقة تنظيمها لحرارة أجسامها.
وتشير النتائج إلى أن الارتفاع الطفيف في درجات الحرارة قد يمنح بعض الكائنات دفعة مؤقتة في قدراتها المناعية، لكن مع استمرار الارتفاع، يتحول هذا التأثير إلى عامل خطير لصالح مسببات الأمراض، التي تجد في البيئات الأكثر دفئًا ظروفًا مثالية للانتشار والتكاثر.
المناعة بين الحرارة والبرودة: توازن حساس يختل
تختلف الحيوانات في طريقة تنظيم حرارة أجسامها. فالثدييات والطيور تعتمد على ما يعرف بـ”توليد الحرارة الداخلي”، ما يسمح لها بالحفاظ على درجة حرارة مستقرة حتى في الظروف القاسية، بينما تعتمد الزواحف والأسماك على البيئة الخارجية لتعديل حرارة أجسامها.

لكن هذا التوازن الدقيق يصبح هشًا عندما تتغير الظروف المناخية بسرعة، إذ تؤثر الحرارة والبرودة بشكل مباشر على كفاءة الاستجابة المناعية، خصوصًا المناعة التكيفية المسؤولة عن محاربة العدوى المحددة.
وتوضح الدراسات أن الانخفاض في درجات الحرارة قد يضعف قدرة الجهاز المناعي على التعرف على مسببات الأمراض، نتيجة تغيّر في البنية الفيزيائية لبعض الجزيئات المناعية الأساسية، ما يقلل من فعاليتها.

حين تخدم الحرارة بعض الميكروبات
المثير في هذه المعادلة أن مسببات الأمراض نفسها تمتلك “تفضيلات حرارية” مختلفة، فبعض الفيروسات والبكتيريا تنشط في درجات حرارة مرتفعة، بينما يزدهر بعضها الآخر في البرودة.
فعلى سبيل المثال، يتكاثر فيروس الإيبولا بكفاءة عند درجات حرارة مرتفعة نسبيًا، في حين يفضل فيروس نزلات البرد بيئات أكثر برودة داخل الجهاز التنفسي البشري، كما أن انخفاض درجات الحرارة المفاجئ قد يرتبط بزيادة تفشي إنفلونزا الطيور في بعض الحالات.
وفي البيئات المائية، تصبح الأسماك أكثر عرضة للأمراض عندما تنخفض درجة حرارة المياه عن المعدل الطبيعي، ما يضعف جهازها المناعي ويزيد من انتشار العدوى البكتيرية والفيروسية.

“حمّامات الضفادع”.. حلول مبتكرة لمواجهة الفطريات القاتلة
أحد أخطر الأمثلة على العلاقة بين المناخ والمناعة يظهر في الكائنات البرمائية، حيث يتسبب فطر “الكيتريد” في انهيار جماعي لمجموعات من الضفادع حول العالم، وقد ارتبط بانقراض ما لا يقل عن 90 نوعًا.
هذا الفطر يزدهر في البيئات الباردة والرطبة، ومع تغيّر المناخ بات قادرًا على الانتشار في مناطق جديدة.
لكن العلماء وجدوا أن رفع درجة حرارة أجسام الضفادع يساعدها على مقاومة العدوى، ما أدى إلى ابتكار حلول غير تقليدية مثل “الحمّامات الحرارية للضفادع” التي تسمح لها بالقضاء على الفطر عبر الحرارة.

الحمى.. سلاح بيولوجي ضد العدوى
عند البشر والثدييات، يمثل ارتفاع الحرارة (الحمى) جزءًا من الدفاع الطبيعي ضد العدوى، إذ يخلق بيئة غير مناسبة لتكاثر الميكروبات، ويحفّز الاستجابة المناعية.
لكن هذه الآلية لها حدود، إذ إن الارتفاع المفرط في الحرارة قد يؤدي إلى إرهاق جسدي شديد أو تلف في الخلايا، ما يفرض توازنًا دقيقًا بين الدفاع المناعي والخطر الحراري.
وفي المقابل، تلجأ الحيوانات ذات الحرارة المتغيرة إلى سلوكيات مثل الانتقال إلى بيئات أكثر دفئًا عند الإصابة، فيما يُعرف بـ”الحمى السلوكية”.
التغير المناخي.. توسع غير مسبوق للأمراض
مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، تتحرك مسببات الأمراض نحو مناطق جديدة لم تكن قادرة على الوصول إليها سابقًا، فالأمراض المرتبطة بالحرارة مثل الملاريا قد تتوسع جغرافيًا، بينما تنتشر طفيليات أخرى مثل القراد في مناطق كانت باردة سابقًا.
كما أن الشتاء الأكثر اعتدالًا في بعض المناطق يتيح لبقاء هذه الكائنات لفترات أطول، ما يزيد من معدلات العدوى بين الحيوانات البرية.

فهم أعمق للمناعة في عالم أكثر حرارة
تكشف هذه الأبحاث أن العلاقة بين المناخ والمناعة ليست مجرد تأثير جانبي، بل نظام معقد يحدد قدرة الأنواع على البقاء.
ومع تصاعد أزمة المناخ، يصبح فهم هذه العلاقة ضرورة علمية وبيئية، ليس فقط لحماية الحياة البرية ، بل أيضًا لتوقع تحولات مستقبلية في أنماط الأمراض عالميًا.
نقلاً عن موقع المستقبل الأخضر

No comments:
Post a Comment