الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كتب الباحث البيئي خالد أبو علي
في أيّــار، يعود زمن التقويم ويتحوّل إلى حكاية حيّة تمشي على أطراف الحقول، وتهمس في آذان الزهر، وتستيقظ في ذاكرة الناس كأغنية قديمة. أيّــار شهرٌ يحمل تناقضاته كما تحمل الأرض أسرارها؛ دفءٌ يلامس القلب، وبردٌ عابر يوقظ القلق، ومطرٌ يأتي متأخّرًا كحنينٍ لا يُقاوم.
تشير توقّعات الأرصاد الجوية الفلسطينية إلى تأثر بلاد الشام ومنها فلسطين بكتلة هوائية باردة نسبيًا، تجعل السماء غائمة جزئيًا إلى غائمة، وتخفض درجات الحرارة بشكل ملموس، خاصة فوق جبال الوطن. ومع هبوب الرياح الغربية النشطة، تتناثر زخّات المطر هنا وهناك، كأنها رسائل متأخرة من نيسان، أو اعتذار رقيق من فصلٍ لم يُكمل حديثه بعد.
ليل أيّــار ، حين يهبط، يحمل برودة خفيفة تلامس الروح، وتُعيد للأذهان ليالي الشتاء، فيما تتساقط زخّات متفرقة على مدن فلسطين، فتغسل الغبار عن الذاكرة قبل الحجر.
أيّــار في الذاكــرة الشعبيــة… أمثــال تحكــي الأرض
ارتبط شهر أيّــار بوجدان الناس، فنسجوا حوله أمثالًا شعبية تختصر خبرة الأرض والفلاح، وتترجم علاقة الإنسان بالمواسم:
"في أيّــار الغمــر طيّــار"
يعني أن أكوام الحصاد (الغمر) تكون معرّضة للتطاير بسبب رياح الخماسين القوية، في دلالة على بداية موسم الحصاد وضرورة الحذر. هو مثل يُحذّر الفلاح من تقلبات الريح في لحظة الفرح بالمحصول.
"برد أيّــار خراب الديار"
يشير إلى أن البرد غير المتوقع في هذا الشهر قد يُلحق ضررًا بالمحاصيل الزراعية، خاصة أنها تكون في مراحل حساسة. هو تعبير عن قلق الفلاح من بردٍ يأتي في غير أوانه.
" أيّــار شهر الرياحيــن والأزهــار"
وصف شاعري لطبيعة هذا الشهر، حيث تتفتح النباتات البرية مثل الريحان والخبيزة والخردل والشومر وغيرها. هو احتفاء بالحياة حين تبلغ ذروتها في الحقول.
"المطر بأيّــار لا بنفع ولا بضار"
يعني أن المطر في هذا التوقيت لا يكون ذا تأثير كبير على المحاصيل، لأنه يأتي بعد اكتمال نمو معظمها. لكنه في الوعي الشعبي يظلّ حدثًا عابرًا، لا يُعوّل عليه.
"في أيّــار احمــل منجلــك وغـار"
دعوة لبدء الحصاد، حيث يصبح القمح جاهزًا، والمنجل رفيق الفلاح في الحقل. هو إعلان دخول موسم العمل والفرح.
"بسبعة أيّــار قص غنماتــك برّة الـدار"
يعني أن الوقت قد حان لجزّ صوف الأغنام بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وهو دليل على الانتقال الفعلي نحو الصيف.
" بأيّــار اقعد بين الورد وتذكّــر ليالي البرد"
صورة شاعرية تجمع بين الحاضر المزهر والماضي البارد، حيث يجلس الإنسان بين الأزهار ويستعيد ذكريات الشتاء.
"شمس أيّــار بتعلّــم عالحجــار"
دلالة على قوة أشعة الشمس في هذا الشهر، رغم بعض التقلبات، فهي تترك أثرها حتى على الصخور.
"مطر أيّــار بيموّن الفلاح بقراتو وبجوّزلو أولادو"
رغم التناقض مع مثل سابق، إلا أن هذا القول يعكس أمل الفلاح بأن المطر، حتى لو جاء متأخرًا، قد يحمل بركة غير متوقعة.
هل أمطــار أيّــار طبيعيــة؟
من الناحية العلمية، يُعدّ هطول الأمطار في شهر أيّــار في فلسطين أمرًا غير شائع لكنه ليس مستحيلًا.
عادةً ما ينتهي موسم الأمطار في نيسان، لكن في بعض السنوات، قد تتأثر المنطقة بكتل هوائية باردة متأخرة، خاصة القادمة من البحر الأبيض المتوسط، فتُحدث حالات عدم استقرار جوي تؤدي إلى زخّات متفرقة.
هذه الأمطار تُسمّى أحيانًا "أمطار متأخرة"، وهي غالبًا خفيفة وغير منتظمة، ولا تُقارن بأمطار الشتاء من حيث الكمية أو التأثير. لكنها تبقى جزءًا من تقلبات مناخية طبيعية، وإن كانت تزداد تكرارًا في السنوات الأخيرة بفعل التغيرات المناخية.
أيّــار … وطــنٌ بين زهرتيــن
في فلسطين، لا يُقاس أيّــار بميزان الحرارة ولا بعدد قطرات المطر، بل بذاك الأثر الخفي الذي يتركه في الروح. هو شهرٌ تتفتح فيه الحقول كما تتفتح الذاكرة، وتتمازج فيه رائحة الزعتر البري مع تغريد البلابل، فيما تجلس الجدّات على عتبات البيوت كحارساتٍ للحكاية، ينسجن أمثالًا تشبه الحياة: بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها، كعمق هذه الأرض.
في أيّــار ، نُدرك أن الطبيعة لا تسير وفق القواعد دائمًا، وأن الجمال قد يأتي متأخرًا… لكنه يأتي.





No comments:
Post a Comment