الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
شهادات من الميدان ترصد تحولات الأغوار
على سفوح خربة مكحول في الأغوار الشمالية، يستعيد الفلسطيني أحمد خلف سمارة، المعروف بـ"أبو خلف"، تفاصيل التحولات التي شهدتها المنطقة على مدار عقود طويلة، في ظل ما يصفه السكان بسياسات تستهدف تغيير الواقع السكاني والجغرافي في الأغوار.
ويقول الرجل التسعيني، الذي أمضى سنوات طويلة متنقلاً بين المراعي والتجمعات البدوية شرق محافظة طوباس، إن الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية تراجع بشكل واضح نتيجة الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة والتوسع الاستعماري، خاصة ما يعرف بالاستعمار الرعوي.
وتتوافق شهادته مع تقديرات باحثين وحقوقيين يؤكدون أن المنطقة شهدت خلال العقود الأخيرة انخفاضاً ملحوظاً في أعداد العائلات الفلسطينية المقيمة فيها، نتيجة التضييق المستمر على السكان ومصادر رزقهم.
سياسات تضييق وتراجع في أعداد السكان
ويرى مختصون في شؤون الاستيطان أن الإجراءات الإسرائيلية، بما تشمل من عمليات هدم وإخطارات عسكرية وإقامة حواجز والاستيلاء على الأراضي ومصادر المياه، أسهمت في خلق ظروف دفعت العديد من العائلات الفلسطينية إلى مغادرة مناطق سكنها التقليدية في الأغوار الشمالية.
وتشير معطيات بحثية صادرة عن معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" عام 2026 إلى أن السياسات الإسرائيلية منذ عام 1948 ركزت على إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي الفلسطيني عبر السيطرة على الأراضي وتقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين، فيما تعزز هذا النهج بعد عام 1967 من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة تخدم التوسع الاستعماري.
من جهته، أوضح الناشط الحقوقي عارف دراغمة أن عدد العائلات الفلسطينية التي كانت تقيم في تجمعات الأغوار الشمالية بلغ في فترات سابقة نحو 600 عائلة، بينما تراجع العدد اليوم في بعض التجمعات إلى نحو 50 عائلة فقط، ما يعكس حجم التغير السكاني الذي شهدته المنطقة.
كما تشير تقارير حقوقية إلى أن الفترة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 شهدت موجة تهجير واسعة في عدة تجمعات فلسطينية، خاصة في المناطق المصنفة (ب) و(ج)، نتيجة اعتداءات المستعمرين والإجراءات العسكرية الإسرائيلية.
الاستعمار الرعوي وتوسّع السيطرة على الأراضي
وخلال السنوات الأخيرة، برز الاستعمار الرعوي كأحد أبرز أدوات السيطرة على مساحات واسعة من أراضي الأغوار الشمالية، وفق دراسات وأوراق سياسات تناولت واقع المنطقة.
وتعتمد البؤر الرعوية، بحسب مختصين، على فرض واقع ميداني يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى المراعي والأراضي الزراعية ومصادر المياه، عبر الاعتداءات المتكررة والترهيب، ما يؤدي تدريجياً إلى دفع السكان نحو الرحيل.
وفي هذا السياق، تشير دراسات ميدانية إلى أن ثمانية تجمعات فلسطينية في الأغوار الشمالية تعرضت للتهجير الكامل، من بينها: أم الجمال، وخلة خضر، ووادي الفاو، وخربة ابزيق، والميتة، والبرج، وشرق العقبة، وخربة يرزا، فيما أُجبرت 88 عائلة تضم أكثر من 500 فلسطيني على مغادرة تلك المناطق.
أرقام تعكس اتساع المشروع الاستعماري
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تضم محافظة طوباس والأغوار الشمالية تسع مستعمرات و15 بؤرة استعمارية، في وقت تشهد فيه المنطقة توسعاً متواصلاً في المشاريع الاستيطانية.
كما تفيد بيانات صادرة عن "أريج" بأن عدد المستعمرين الإسرائيليين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز مع بداية عام 2026 نحو 950 ألف مستعمر، بينهم أكثر من 340 ألفاً في القدس الشرقية، مقارنة بنحو 240 ألف مستعمر فقط عام 1993.
وخلال العقود الماضية، أُنشئت أكثر من 300 مستعمرة و320 بؤرة استعمارية في الأراضي الفلسطينية، من بينها 18 مستعمرة في القدس الشرقية، إضافة إلى عشرات البؤر داخل البلدة القديمة ومحيطها.
ويرى باحثون أن هذا التوسع يأتي ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز السيطرة على الأغوار والسفوح الشرقية، من خلال توسيع المستعمرات وربطها بالبنية التحتية والطرق الالتفافية الإسرائيلية.
ذاكرة الأغوار بين الماضي والحاضر
وبالنسبة لأحمد سمارة، فإن التحولات التي شهدتها الأغوار الشمالية ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل واقع عاشه بنفسه خلال سنوات طويلة من التنقل بين التجمعات البدوية والمراعي.
ويقول إن المنطقة كانت تعج بالعائلات الفلسطينية ومواشيها، قبل أن تتقلص أعداد السكان تدريجياً تحت وطأة الضغوط المتواصلة، مضيفاً: "بسبب الاستعمار هجّرت أغلب العائلات الفلسطينية من الأغوار الشمالية".
وتعكس هذه الشهادة، بحسب متابعين، حجم التغيرات الديموغرافية التي شهدتها المنطقة، في ظل استمرار سياسات السيطرة على الأرض والتوسع الاستعماري في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية استهدافاً.
المصدر : وكالة وفا الإخبارية


No comments:
Post a Comment