الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كشف تقرير أوروبي حديث عن تعرض مراعي عشبة البوسيدونيا البحرية، المعروفة علمياً باسم Posidonia oceanica، لضغوط متزايدة نتيجة موجات الحر البحرية وارتفاع درجات الحرارة في البحر المتوسط، ما يهدد أحد أهم النظم البيئية البحرية في المنطقة.
وتُعد البوسيدونيا نوعاً نباتياً متوطناً في البحر المتوسط، ولا يوجد طبيعياً في أي مكان آخر من العالم، وتُوصف في الأدبيات العلمية بـ"رئة المتوسط" نظراً لدورها الحيوي في إنتاج الأكسجين وامتصاص الكربون ودعم التنوع البيولوجي البحري.
وأشار تقرير الحالة الأوروبية للمناخ 2025، الصادر عن برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لرصد الأرض بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إلى أن مراعي البوسيدونيا الممتدة على مساحة تقارب 19 ألف كيلومتر مربع تضررت خلال العقود الخمسة الماضية بفعل الإجهاد الحراري المتكرر.
البحر المتوسط يسجل موجات حر بحرية متتالية
ووفق التقرير، شهد البحر المتوسط خلال عام 2025 استمراراً للموجات الحرارية البحرية الشديدة، للعام الثالث على التوالي بين 2023 و2025، في تحول لافت من ظاهرة موسمية متفرقة إلى حدث سنوي متكرر.
وسجلت حرارة سطح البحر في المتوسط ارتفاعاً بلغ 1.4 درجة مئوية فوق المعدلات المرجعية خلال متوسط السنوات الخمس الأخيرة، ما يعكس تسارع الاحترار في المنطقة.
وحذر التقرير من أن استمرار هذا الاتجاه يهدد استقرار النظم البيئية المتوسطية، ويرفع من مخاطر تدهور التنوع الحيوي الساحلي والبحري، إضافة إلى زيادة احتمالات الظواهر الجوية المتطرفة.
أوروبا الأسرع احتراراً في العالم
ولم تقتصر المؤشرات المناخية المقلقة على البحر المتوسط، إذ وصف التقرير أوروبا بأنها أسرع قارات العالم احتراراً، بعدما شهد عام 2025 موجة حر استمرت ثلاثة أسابيع ووصلت خلالها درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية داخل الدائرة القطبية الشمالية.
كما أظهرت البيانات أن 95% من مساحة أوروبا سجلت درجات حرارة أعلى من المتوسط السنوي، فيما تراجع الغطاء الثلجي بنسبة 31%، وتعرضت 86% من المياه الأوروبية لموجات حر بحرية قوية أو أشد.
وفي الوقت ذاته، اندلعت حرائق واسعة أتت على أكثر من مليون هكتار، في أكبر مساحة محترقة مسجلة حتى الآن، بالتزامن مع جفاف واسع وانخفاض تدفقات الأنهار.
لماذا تُعد البوسيدونيا كنزاً بيئياً؟
تشكل مراعي البوسيدونيا غابات خضراء كثيفة تحت سطح الماء، وتمتد من أعماق ضحلة إلى أكثر من 40 متراً، وتصل كثافتها أحياناً إلى أكثر من 700 نبتة في المتر المربع الواحد.
وتوفر هذه المراعي موائل طبيعية لنحو 400 نوع من النباتات وأكثر من 1000 نوع من الحيوانات البحرية، ما يجعلها من أكثر البيئات البحرية إنتاجية في المتوسط.
كما تعمل كمخزن طبيعي للكربون، وتساهم في الحد من تغير المناخ عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى دورها في تثبيت الرواسب البحرية والحد من تآكل السواحل.
ويُقدَّر أن كل متر مربع من المراعي السليمة يطلق ما بين 14 و16 لتراً من الأكسجين يومياً.
خسائر بطيئة التعويض
تنمو البوسيدونيا ببطء شديد لا يتجاوز 2 سنتيمتر سنوياً، ما يجعل أي تراجع في مساحاتها أمراً بالغ الخطورة، إذ قد تستغرق استعادتها قروناً طويلة.
ويؤكد الخبراء أن التهديدات لا تقتصر على الاحترار البحري فقط، بل تشمل أيضاً التلوث، والمراسي العشوائية، وأعمال التجريف الساحلي، وتدهور جودة المياه.
بصيص أمل من جهود الحماية
ورغم المؤشرات السلبية، أشار التقرير إلى أن برامج الحماية والاستعادة التي نُفذت خلال العقد الأخير أظهرت نتائج مشجعة، من خلال تحسين التنوع البيولوجي وإعادة بناء مجتمعات قاع البحر وتوفير مناطق حضانة للأسماك.
ويؤكد مختصون أن مستقبل البوسيدونيا يرتبط بسرعة خفض الانبعاثات الكربونية، وتوسيع المناطق البحرية المحمية، وتعزيز الرقابة على الأنشطة الساحلية، قبل أن تخسر المنطقة أحد أهم خطوط دفاعها الطبيعية.

No comments:
Post a Comment