???????

Wednesday, May 6, 2026

مصطلـح " التوثيـق لأول مـرة " في سيـاق التصويـر البيئـي والميدانـي

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands

بين الوعي العلمي والمسؤولية المهنية، وبين الإنكار المعرفي والاستعراض غير المسؤول


كتب الباحـث البيئـي خالـد أبـو علـي

في الفترات الأخيرة، ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الوصول إلى أدوات التصوير، برز مصطلح " التوثيـــق لأول مرة " بشكل متكرر بين المصورين والهواة. يُستخدم هذا المصطلح غالبًا للإشارة إلى تصوير موقع اثري أو ديني أو طبيعي أو معلم بيئي أو نبات بري او طائر او حيوان او أي عنصر من عناصر التنوع الحيوي، مع الاعتقاد بأن هذا التوثيق هو الأول من نوعه. إلا أن هذا الادعاء يثير إشكاليات علمية ومنهجية، خاصة في ظل وجود توثيقات سابقة قد لا تكون متداولة رقميًا.
لذلك اعذروني أصدقائي في الإطالة عليكم ولكن لا بد من توضيح المسائل الهامة التالية :

أولًا: التعريف العلمي لمفهوم " التوثيق"

التوثيق في السياق العلمي هو عملية تسجيل معلومات دقيقة وموثوقة حول ظاهرة أو موقع أو كائن حي، وفق منهجية واضحة، وبالاستناد إلى أدلة ميدانية (صور، عينات، إحداثيات) ، مراجع علمية أو تاريخية، وتوثيق قابل للتحقق والمراجعة .
أما " التوثيق لأول مرة " فيعني، علميًا، أن الظاهرة أو الموقع أو الكائن لم يتم تسجيله أو الإشارة إليه في أي مصدر سابق موثوق، سواء كان دراسات علمية منشورة، كتب تاريخية أو جغرافية، تقارير ميدانية رسمية، او أرشيفات مؤسسات أو باحثين .

ثانيًا: الفجوة بين التوثيق العلمي والتوثيق الشعبي

يحدث الخلط غالبًا بسبب وجود فجوة بين نوعين من التوثيق الأول هو التوثيق العلمي التقليدي ويتم عبر كتب، أبحاث، تقارير وغالبًا غير متداول على نطاق واسع ويحتاج جهدًا للوصول إليه . وهناك التوثيق الرقمي الحديث والذي يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وسريع الانتشار ويعتمد على الصورة أكثر من السياق العلمي .
وهذه الفجوة تجعل بعض الهواة يعتقدون أن عدم وجود صور سابقة على الإنترنت يعني عدم وجود توثيق سابق، وهو استنتاج غير دقيق.

ثالثًا: إشكاليـة الادعـاء بـ " الأوليــة "

الادعاء بأن توثيقًا ما هو " الأول " يواجه عدة إشكاليات اولها تجاهل التراكم المعرفي فكثير من المواقع الطبيعية والبلدات والخرب التاريخية والأثرية في فلسطين وهي عديدة جدا تم توثيقها منذ عقود في كتب أو سجلات ميدانية ، إضافة الى غياب البحث المرجعي والاعتماد على الانطباع الشخصي دون الرجوع إلى مصادر سابقة. اضافة الى الخلط بين " النشر الأول" و" التوثيق الأول" وقد يكون النشر على منصة رقمية هو الأول، لكن التوثيق الفعلي ليس كذلك. وأخيرا هناك تضليل سواء مقصود او غير مقصود يساهم في خلق سردية غير دقيقة حول " اكتشاف" أماكن معروفة مسبقًا.

رابعًا: الأسباب التي أدت إلى انتشار هذا المفهوم

هو هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومة وضعف الثقافة البحثية لدى بعض الهواة وتراجع قراءة الكتب والمراجع التقليدية والرغبة في التميز والحصول على تفاعل رقمي (وحصد اكبر عدد من الإعجابات والمشاهدات ) إضافة الى غياب منصات أرشفة وطنية رقمية شاملة .

خامسًا: الآثار المترتبة على الاستخدام غير الدقيق للمصطلح

يعتبر ذلك تشويه الحقيقة العلمية والتاريخية ، وتهميش جهود الباحثين السابقين ، وفقدان الثقة بالمحتوى البيئي المنشور، إضعاف مصداقية العمل التوثيقي بشكل عام
إن " التوثيق لأول مرة " هو في الواقع مصطلح علمي دقيق يتطلب تحققًا صارمًا قبل استخدامه. وفي السياق الفلسطيني، حيث تزخر الأرض بتاريخ غني من التوثيق المكتوب والميداني، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لهذا الإرث، وربط الماضي بالحاضر من خلال توثيق واعٍ ومسؤول يحترم الحقيقة ويُكمل ما بدأه السابقون، لا أن يتجاوزه أو ينكره.


No comments:

Post a Comment