الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
لم تقتصر آثار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على الخسائر البشرية والعمرانية، بل امتدت لتطال البيئة التي تواجه اليوم واحدة من أشد الأزمات في تاريخها الحديث. فمع اتساع نطاق الدمار وتضرر البنية التحتية، باتت النفايات والركام من أبرز التحديات التي تهدد الصحة العامة والموارد الطبيعية في القطاع.
وتشير تقديرات فلسطينية ودولية إلى تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات المنزلية، إلى جانب ما يزيد على 57 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير أحياء سكنية واسعة. كما أدى تضرر معظم معدات وآليات البلديات إلى إضعاف قدرة الجهات المحلية على جمع النفايات والتعامل معها، الأمر الذي ساهم في انتشار المكبات العشوائية وتفاقم المخاطر البيئية والصحية.
الزراعة في مواجهة الانهيار
ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ أظهرت تحليلات الأقمار الصناعية الصادرة عن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن أكثر من 86% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت لأضرار متفاوتة بحلول منتصف عام 2025، فيما وصلت نسبة الضرر في بعض المناطق الشمالية إلى نحو 94%.
وأدت أعمال التجريف والقصف وتضرر الآبار الزراعية والبيوت البلاستيكية إلى تراجع القدرة الإنتاجية بشكل حاد، ما انعكس مباشرة على الأمن الغذائي لسكان القطاع. كما أظهرت تقارير أممية لاحقة أن نسبة الأراضي الزراعية القابلة للوصول والاستغلال الفعلي أصبحت محدودة للغاية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي يهدد استدامة الإنتاج الزراعي المحلي.
البصمة الكربونية للحرب
في جانب آخر من الأزمة، سجلت الحرب ارتفاعاً كبيراً في الانبعاثات الكربونية الناتجة عن العمليات العسكرية واستخدام الآليات الثقيلة وعمليات النقل والإغاثة. وتشير التقديرات إلى أن البصمة الكربونية المرتبطة بالحرب بلغت عشرات ملايين الأطنان من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يعادل الانبعاثات السنوية لدول بأكملها.
ويحذر خبراء البيئة من أن هذه الانبعاثات لا تقتصر آثارها على غزة وحدها، بل تسهم في تفاقم التغير المناخي على نطاق أوسع، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من ضرورة الحد من مصادر التلوث والانبعاثات المرتفعة المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
تحديات التعافي البيئي
ورغم الجهود المحلية والدولية الرامية إلى معالجة آثار الحرب، فإن عملية التعافي البيئي لا تزال تواجه عقبات كبيرة، في مقدمتها ضخامة حجم الركام، ونقص المعدات والوقود، واستمرار المخاطر المرتبطة بالذخائر غير المنفجرة. وتشير تقديرات أممية إلى أن إزالة الركام وإعادة تأهيل المناطق المتضررة قد تستغرق سنوات طويلة وتتطلب استثمارات بمليارات الدولارات.
ويرى مختصون أن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء المنازل والبنية التحتية فحسب، بل يجب أن تشمل أيضاً خطة شاملة لاستعادة النظم البيئية المتضررة، وحماية الموارد الطبيعية، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، بما يضمن بيئة أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية.
.jpg)
No comments:
Post a Comment