الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كشفت دراسة علمية جديدة أن أوراق البطاطس قد تمثل أداة فعالة لرصد التلوث البيئي الحديث الذي لا تستطيع اختبارات التربة التقليدية اكتشافه بسهولة، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة.
وركزت الدراسة على مجموعة من المركبات الكيميائية المعروفة باسم المواد البيرفلورية ومتعددة الفلور ألكيل (PFAS)، والتي تُعرف شعبيًا باسم “المواد الكيميائية الأبدية” بسبب قدرتها على البقاء في البيئة لعقود أو حتى قرون دون أن تتحلل بصورة كاملة.
وتستخدم هذه المواد في العديد من المنتجات الصناعية، مثل أواني الطهي غير اللاصقة ومواد التغليف والأقمشة المقاومة للماء ورغوات مكافحة الحرائق، كما أصبحت منتشرة على نطاق واسع في الهواء والمياه والتربة وحتى داخل أجسام البشر.

34 حقلًا زراعيًا في المناطق المحيطة بقطاع غزة
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Journal of Hazardous Materials العلمية، وقاد الدراسة الباحث نيتسان شاي والبروفيسور بني شيفيتس من Hebrew University of Jerusalem، حيث جمع الفريق عينات من التربة وأوراق البطاطس ودرناتها من 34 حقلًا زراعيًا في المناطق المحيطة بقطاع غزة، وقارنها بعينات مرجعية من مناطق أخرى تبعد نحو 80 كيلومترًا شمالًا.
وأظهرت تحاليل التربة وجود مركبات PFAS التقليدية المرتبطة باستخدام مياه الصرف المعالجة والسماد العضوي عبر سنوات طويلة من النشاط الزراعي، ما يعكس تراكمًا تاريخيًا لهذه المواد في التربة.
لكن الصورة اختلفت تمامًا عند تحليل أوراق البطاطس، إذ رصد الباحثون مستويات مرتفعة من المركبات قصيرة السلسلة، وخاصة مركب حمض البيرفلوروبيوتانويك (PFBA)، وهو أحد المركبات القادرة على الانتقال بسهولة عبر الغلاف الجوي.

النباتات لم تمتص هذه المواد عبر الجذور
وفي بعض العينات، وصلت تركيزات هذا المركب في الأوراق إلى مئات المرات مقارنة بمستوياته في التربة الموجودة أسفل النباتات مباشرة.
وأشار الباحثون إلى أن هذه الفجوة الكبيرة بين تركيزات الأوراق والتربة تدل على أن النباتات لم تمتص هذه المواد عبر الجذور، بل التقطتها مباشرة من الهواء.
وبلغ متوسط نسبة تركيز PFBA في الأوراق مقارنة بالتربة نحو 266 مرة، بينما تجاوزت هذه النسبة 1200 مرة في بعض المواقع، وهو ما يدعم فرضية التلوث الهوائي الحديث.
ورجحت الدراسة أن تكون الأنشطة المرتبطة بالحروب والنزاعات المسلحة أحد المصادر المحتملة لهذه المركبات الكيميائية في الجو.
وأوضح الباحثون أن رغوات مكافحة لحرائق المستخدمة في العمليات العسكرية تُعد من المصادر المعروفة لمواد PFAS، كما أن بعض البوليمرات الفلورية المستخدمة في تصنيع الذخائر والمواد المتفجرة قد تطلق مركبات مشابهة عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة أثناء الاحتراق أو الانفجار.
ومع ذلك، شدد الفريق البحثي على أن الدراسة لم تتمكن من إثبات مصدر محدد بصورة قاطعة، بسبب عدم توفر بيانات مباشرة عن عينات الهواء أو مؤشرات كيميائية خاصة بالذخائر العسكرية.
ومن النتائج الإيجابية التي سجلتها الدراسة، أن المواد الكيميائية التي تراكمت في الأوراق لم تنتقل بكميات كبيرة إلى درنات البطاطس الصالحة للاستهلاك.
فقد أظهرت التحاليل، أن مستويات PFAS داخل الدرنات كانت منخفضة للغاية مقارنة بالأوراق، وهو ما يتوافق مع دراسات سابقة تشير إلى أن هذه المركبات تتراكم غالبًا في الأوراق والجذور أكثر من الأجزاء التخزينية للنباتات.

النباتات مؤشر بيئي يكشف التلوث الحديث
كما توقع الباحثون، أن تنخفض مستويات التلوث كلما ابتعدت الحقول عن مناطق الصراع، إلا أن النتائج لم تظهر نمطًا واضحًا لهذا التراجع، سواء في التربة أو في الأوراق.
وأشارت الدراسة إلى أن مستويات التلوث المسجلة في المنطقة كانت عمومًا أقل من تلك التي رُصدت في مواقع التدريب العسكري أو مواقع تفجير الذخائر في مناطق أخرى من العالم، كما كانت مماثلة أو أقل من المستويات الموثقة في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والولايات المتحدة.
وأكد الباحثون، أن القيمة الحقيقية للدراسة لا تكمن فقط في قياس مستويات التلوث بل في إبراز أهمية النباتات كمؤشر بيئي يكشف التلوث الحديث الذي يصل عبر الهواء خلال موسم زراعي واحد.
وأوضحوا أن التربة تحتفظ بسجل طويل الأمد للتلوث المتراكم عبر العقود، ما يجعلها أقل قدرة على إظهار الإضافات الحديثة، في حين تعكس النباتات الظروف البيئية الراهنة بصورة أكثر دقة.
وقال الباحثون إن نتائجهم تشير إلى أن الغطاء النباتي يمكن أن يوفر معلومات فريدة حول العمليات البيئية الجارية، وأنه قد يمثل أداة فعالة لرصد التلوث الهوائي الحديث في المناطق الزراعية.
وخلصت الدراسة إلى أن دمج تحاليل النباتات مع مراقبة الهواء قد يوفر وسيلة أكثر كفاءة للكشف المبكر عن الملوثات البيئية، خاصة في المناطق التي تعاني من تراكمات تاريخية للتلوث أو تتأثر بالنزاعات المسلحة.
كما لفتت الدراسة الانتباه إلى ضرورة متابعة تأثير الحروب على البيئة بصورة أوسع، باعتبارها مصدرًا محتملًا لملوثات كيميائية قد تستمر آثارها لسنوات طويلة بعد انتهاء الصراعات.

No comments:
Post a Comment