الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحــث البيئـي : خالــد أبــو علــي
في صباحٍ فلسطينيٍّ تماهت فيه خيوط الشمس الأولى مع ضباب الجبال، وانطلقت فيه خطى المغامرين بشغف الباحثين عن أسرار الأرض، كتب فريق (إلى القمر) للاستغوار والرياضات الجبلية فصلًا جديدًا من فصول السياحة البيئية والمغامرات العلمية في فلسطين. فقد نفّذ الفريق فعالية الاستغوار الثانية في أحضان جبال فلسطين الغربية، حيث تتعانق الطبيعة مع التاريخ، ويتحوّل الحجر إلى شاهدٍ حيٍّ على ملايين السنين من التحولات الجيولوجية، وعلى آلاف السنين من حضور الإنسان الفلسطيني فوق هذه الأرض.
وفي قلب المشهد الطبيعي، وعلى أراضي قرية خربثا بني حارث، كانت مغارة عين موميا تقبع بهدوئها المهيب، كأنها مخطوطة جيولوجية نادرة ما تزال مفتوحة أمام كل من يجيد قراءة لغة الصخور، وفهم الحكايات التي حفرتها قطرات الماء في أعماق الجبل عبر العصور. هناك، لا يروي الزمن قصته بالكلمات، بل بالهوابط والصواعد، والشقوق الكلسية، والطبقات الصخرية التي تحفظ في ثناياها ذاكرة الأرض الفلسطينية منذ ملايين السنين.
وجاءت هذه المغامرة امتدادًا لرسالة الفريق في استكشاف الكنوز الطبيعية وتعزيز ثقافة السياحة البيئية، بعد نجاح فعالية استغوار بئر الهاوية في قرية بيت لقيا، لتؤكد أن جبال فلسطين ما تزال تخبئ بين طياتها عوالم مجهولة، وأن كل مغارة ليست مجرد فراغ في باطن الأرض، بل متحف جيولوجي حي، وسجلّ طبيعي، وشاهد وطني يروي للأجيال قصة وطنٍ كُتبت ملامحه في الصخر قبل أن تُكتب في صفحات التاريخ.
نحو خربثا بني حارث... حيث تبدأ الحكاية
انطلقت قافلة فريق الاستغوار عبر الطرق المتعرجة التي تشق جبال فلسطين، متجهة نحو قرية خربثا بني حارث، تلك القرية الوادعة التي تستقر على بعد نحو واحد وعشرين كيلومترًا إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله، وتعتلي ربوةً تطل على سهول الساحل الفلسطيني البعيد. هناك، حيث تتعانق الصخور الكلسية مع أشجار الزيتون المعمرة، وتروي الطبيعة فصولًا من ذاكرة الأرض التي لم تنقطع.
تنتمي خربثا بني حارث إلى قرى الخط الغربي التسع، وهي القرى الفلسطينية التي كانت، على امتداد قرون طويلة، جزءًا من قضاءي اللد والرملة، قبل أن تمزقها حدود الاحتلال وتتركها النكبة في مواجهة عزلةٍ جغرافية وإهمالٍ تنموي قاسٍ. تضم هذه المجموعة قرى: بلعين، وخربثا بني حارث، ونعلين، ودير قديس، والمدية، وقبيا، وشقبا، وبدرس، وشبتين؛ قرى ما زالت، رغم كل ما مر بها، تحرس هوية المكان، وتحفظ ذاكرة الإنسان، وتتشبث بأرضها كما تتشبث الجذور بالصخر.
ومع الاقتراب من خربثا بني حارث، بدأ المشهد الجيولوجي يكشف عن أسراره؛ فالتكوينات الكلسية التي نحتتها ملايين السنين، والأودية التي حفرتها مياه الأمطار بصبرٍ لا يعرف العجلة، كانت تمهد الطريق إلى عالم خفي يختبئ في أحشاء الجبل، حيث ولدت الكهوف بفعل الزمن والماء والصخر.
كان في استقبال الفريق الدليل المحلي رائف أبو عجينة، يرافقه المستغوران سعيد داغر ومعاذ بلاسمة، الذين حملوا مسؤولية قيادة الفريق إلى مغارة عين موميا. ومنذ اللحظات الأولى، أدرك الجميع أن الطريق إلى هذا الكنز الجيولوجي هو مسيرٍ بين الصخور، ورحلة نحو قلب الأرض، حيث لا يُمنح الجمال بسهولة، بل يكافئ أولئك الذين يؤمنون بأن لكل خطوة في الطبيعة حكاية، ولكل صخرة ذاكرة، ولكل مغارة نبضًا يروي قصة فلسطين التي لا تزال تكتب تاريخها في الحجر كما في الإنسان.
الطريق إلى المغارة... بداية الحكاية
قبيل ساعات الظهيرة ، شق فريق الاستغوار (الى القمــر )بقيادة الكابتن (بلال الحوساني ) طريقه مشيا على الأقدام بمسافة تقريبا كيلومترا للوصول الى المغارة بين الصخور وبين المدرجات الزراعية القديمة، وأشجار الزيتون والبلوط والخروب التي ما زالت تتشبث بتلال فلسطين رغم كل التحديات. كان الهواء يحمل رائحة الزعتر البري والميرمية، فيما كانت الطيور تعلن بداية يوم جديد فوق الصخور البيضاء التي شكلتها الطبيعة عبر ملايين السنين. كل خطوة نحو المغارة كانت تقربنا من عالم مختلف؛ عالم لا يعرف الضجيج، ولا تعكره إلا قطرات الماء وصدى الخطوات.
عين موميا – الجمال الذي يُكتشف زحفًا
كانت رحلة فريق (الى القمــر) إلى المغارة مغامرة رياضية ورحلة علمية وبيئية وإنسانية، حمل خلالها اعضاء الفريق فضول الباحثين ، وشغف المستكشفين، واحترام الإنسان الذي يدرك أن كل كهف هو سجل طبيعي يحفظ ذاكرة آلاف السنين.
تطلّب الدخول إلى المغارة زحفًا على البطن، وكأن الطبيعة تفرض طقوسها الخاصة على الزائرين. في الداخل، انفتحت عوالم مذهلة بتكوينات جيولوجية فريدة من الصواعد والنوازل بأشكال هندسية فريدة، تتوزع داخل حجرات متعددة، كل واحدة منها تحمل طابعًا جيولوجيًا خاصًا، وكأنها غرف في قصرٍ تحت الأرض شُيّد ببطء عبر الزمن. وتُعدّ المغارة معلماً طبيعياً ووجهة للمستغورين ومحبي الطبيعة في فلسطين .
ولادة المغارة... قصة بدأت قبل ملايين السنين
جيولوجيًا، تنتمي المنطقة إلى التكوينات الجيرية والدولوميتية التي تغطي معظم جبال وسط فلسطين. تشكلت مغارة عين موميا نتيجة عمليات الإذابة الكارستية، حيث قامت مياه الأمطار المشبعة بثاني أكسيد الكربون بالتسلل عبر الشقوق والفواصل الصخرية، لتذيب الحجر الجيري ببطء شديد، مكونة ممرات وتجويفات أخذت تتسع على مدى مئات آلاف، وربما ملايين السنين. إن كل انحناءة داخل المغارة، وكل تجويف في جدرانها، يمثل صفحة من تاريخ جيولوجي طويل، كتبه الماء قطرةً قطرة، دون استعجال.
داخل عالم الصمت
ما إن تجاوزنا فتحة المغارة حتى تبدل كل شيء. اختفى ضوء النهار تدريجيًا، وحل مكانه عالم من الظلال الهادئة. أصبحت أصواتنا ترتد من الجدران الحجرية في تناغم مهيب، بينما كانت رطوبة المكان وانخفاض درجة الحرارة يذكراننا بأن الكهوف تمتلك مناخها الخاص، المختلف تمامًا عن العالم الخارجي. في الأعماق يصبح الصمت مادة محسوسة، ويغدو الزمن أبطأ، وكأن الأرض تدعونا إلى الإصغاء لتاريخها.
مختبر طبيعي للحياة
رغم قسوة البيئة داخل الكهف، إلا أنها تؤوي أشكالًا متعددة من الحياة. فالشقوق الرطبة قد توفر مأوى للخفافيش، ولعدد من اللافقاريات المتخصصة بالعيش في البيئات المظلمة، وهي كائنات تلعب دورًا مهمًا في التوازن البيئي داخل الكهوف. كما تسهم المغارات في تغذية المياه الجوفية، وتعد جزءًا أساسيًا من النظام الهيدرولوجي الطبيعي، ما يجعل المحافظة عليها ضرورة بيئية تتجاوز حدود المكان نفسه.
أخلاقيات الاستغوار
اعتمد فريق ( الى القمر ) خلال جولته على مبادئ الاستغوار المسؤول، التي تقوم على احترام البيئة الكهفية وعدم العبث بتكويناتها الطبيعية. فالصواعد والهوابط تحتاج إلى مئات السنين كي تنمو بضعة سنتيمترات، وأي كسر أو تخريب فيها يمثل خسارة لا يمكن تعويضها في عمر الإنسان. كما تم التأكيد على عدم ترك أي مخلفات، وعدم إزعاج الحياة الفطرية، والمحافظة على الموقع كما وجدناه.
عين موميا... أكثر من مغارة
لا تختصر هذه المغارة قيمتها في جمالها الطبيعي فحسب، بل تمثل جزءًا من ذاكرة المكان الفلسطيني. فالكهوف والينابيع ارتبطت عبر التاريخ بحياة الإنسان، وكانت ملاذًا للرعاة والمسافرين، ومصدرًا للمياه، وشاهدًا على تعاقب الحضارات فوق هذه الأرض. ولهذا فإن توثيقها وحمايتها هو مساهمة في حفظ التراث الطبيعي والثقافي لفلسطين.
رسالة من أعماق الأرض
حين خرجنا من المغارة، بدا ضوء الشمس مختلفًا. أدركنا أن أجمل ما تمنحه الكهوف هو الإثارة والتواضع أمام عظمة الطبيعة. هناك، في قلب الصخر، تعلمنا أن الماء، رغم رقته، قادر على نحت الجبال، وأن الصبر يصنع أجمل المنحوتات، وأن الأرض تحتفظ بأسرارها لمن يدخلها بعين الباحث، لا بعين المستهلك. لقد كانت مغارة عين موميا درسًا في الجيولوجيا، ومحاضرة في البيئة، وقصيدة كتبتها الطبيعة بالحجر والماء، وستبقى دعوة مفتوحة لكل من يؤمن بأن حماية التراث الطبيعي هي جزء من حماية هوية فلسطين ومستقبلها.
مصدر المقال و الصور : https://www.facebook.com/mishwarpal






No comments:
Post a Comment