الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
في واحدة من القضايا البيئية المعقدة التي تعكس إرث التلوث الصناعي في أوروبا، تكشف وثائق وتحقيقات حديثة عن واقع مقلق في بلدة ساندباخ بمقاطعة تشيشاير البريطانية، حيث يقع ملعب “مالكينز بنك” للجولف فوق موقع تاريخي لتخزين ودفن نفايات كيميائية شديدة السمية، يُعتقد أن آثارها قد تستمر لما يقرب من قرن كامل.
تعود جذور الأزمة إلى ستينيات القرن الماضي، حين تحول الموقع – الذي كان في الأصل منشأة صناعية متعددة الاستخدامات منذ العصر الفيكتوري – إلى مكب للنفايات الصناعية، في ظل ما وصفته تقارير رسمية لاحقًا بـ”عمليات التخلص العشوائي”. وتشير سجلات قديمة إلى دفن آلاف الأطنان من المخلفات، شملت نفايات كيميائية، ومخلفات دباغة، ومواد صناعية غير محددة، بعضها في براميل مغلقة، دون الالتزام بمعايير السلامة البيئية.

الموقع نفسه يحمل تاريخًا صناعيًا معقدًا؛ إذ بدأ كمصنع لاستخراج الملح من المحاليل الجوفية في منتصف القرن التاسع عشر، قبل أن يتحول لاحقًا إلى منشأة لإنتاج القلويات، ثم إلى موقع مرتبط بالصناعات الحربية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث تشير أدلة إلى إنتاج نترات الأمونيوم المستخدمة في تصنيع المتفجرات.

ومع غياب الرقابة الكافية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تفاقمت الأزمة، حيث أفاد سكان محليون بعمليات تفريغ ليلية للنفايات، صاحبتها روائح نفاذة أشبه بـ”البيض الفاسد”، ما أثار احتجاجات شعبية آنذاك. ورغم إغلاق المكب لاحقًا، فإن حجم التلوث المدفون ظل غير مفهوم بشكل كامل لسنوات طويلة.
في سبعينيات القرن الماضي، وصف تقرير رسمي الموقع بأنه “كومة ضخمة من آلاف البراميل التي تحتوي على مواد سامة مختلطة بمخلفات ملحية”، مع وجود بحيرات ملوثة بالنفط والمواد الكيميائية، وبعض البراميل التي قد تكون قابلة للانفجار تحت ظروف معينة. كما أثيرت مخاوف من وجود مواد شديدة الخطورة مثل السيانيد، فضلًا عن احتمال تسرب الملوثات إلى تجاويف ملحية تحت الأرض، ما قد يؤدي إلى انهيارات أرضية مستقبلية.
ورغم هذا الإرث الخطير، جرى في ثمانينيات القرن الماضي إعادة تأهيل الموقع وتحويله إلى ملعب جولف، في خطوة أثارت تساؤلات لاحقة حول معايير اتخاذ القرار، خاصة مع تقارير تشير إلى تعرض العمال أثناء أعمال المعالجة لأبخرة كيميائية أجبرتهم على التوقف المتكرر.
طوال العقود التالية، استمرت مؤشرات التلوث في الظهور، من خلال انبعاث روائح كريهة، وتسرب سوائل ملوثة (leachate) إلى سطح التربة , ما أدى إلى تلف المساحات الخضراء. كما كشفت تحاليل بيئية عن وجود معادن ثقيلة ومواد عضوية خطرة مثل البنزين والتولوين بمستويات تُصنّف ضمن “التلوث الشديد”.

وفي عام 2011، أعلنت السلطات المحلية تصنيف الموقع رسميًا كأرض ملوثة، بعد رصد انتشار التلوث في المياه الجوفية. ورغم دراسة خيارات المعالجة، تم استبعاد تنفيذ خطة شاملة بسبب التكلفة الباهظة، التي قُدّرت بمليارات الجنيهات الإسترلينية، مقابل ما اعتُبر “مخاطر محدودة” على صحة الإنسان، نظرًا لعدم استخدام المياه الجوفية للشرب.
غير أن الأحداث الأخيرة أعادت فتح الملف، خاصة بعد فيضانات عام 2022، التي أدت إلى صعود مواد ملوثة إلى سطح الأرض، وانبعاث روائح قوية، فضلًا عن تسربها إلى مجرى مائي قريب. وأرجعت تقارير فنية ذلك إلى ضعف أنظمة العزل والصرف، ما سمح لمياه الأمطار باختراق طبقات النفايات ودفع الملوثات إلى الأعلى.
كما كشفت وثائق أرشيفية، احتفظت بها مسؤولة محلية سابقة، عن تفاصيل إضافية، من بينها احتمالات دفن مواد مشعة، رغم أن مسوحات لاحقة لم تثبت وجود خطر إشعاعي مباشر.

اليوم، لا تقتصر خطورة الموقع على ماضيه، بل تمتد إلى حاضره، حيث يُستخدم ليس فقط كملعب جولف، بل كموقع لأنشطة ترفيهية، تشمل مناطق ألعاب للأطفال، ما يثير مخاوف متزايدة بين السكان والخبراء البيئيين.
ويحذر مختصون من أن المواد الكيميائية المدفونة، بما في ذلك مركبات عضوية ثابتة ومعادن ثقيلة، قد تظل نشطة لعقود طويلة، مع تزايد احتمالات تسربها نتيجة تقادم طبقات العزل، والتغيرات المناخية التي تزيد من حدة الفيضانات.
في المقابل، تؤكد الجهات المحلية استمرار مراقبة الموقع، مشيرة إلى أن التقييمات الحالية لا تشير إلى مخاطر صحية كبيرة، مع العمل على تحسين البنية التحتية للصرف وتقليل الانبعاث.
غير أن خبراء البيئة يرون أن الاعتماد على “إدارة المخاطر” بدلًا من المعالجة الجذرية قد لا يكون كافيًا على المدى الطويل، داعين إلى إعادة تقييم استخدام الموقع، ووضع آليات قانونية أكثر صرامة لمحاسبة الجهات المسؤولة عن التلوث التاريخي.
وتبقى قضية “مالكينز بنك” مثالًا صارخًا على التحديات التي تواجهها الدول في التعامل مع إرثها الصناعي، حيث تتقاطع اعتبارات التكلفة الاقتصادية مع متطلبات حماية البيئة وصحة الإنسان، في معادلة معقدة لم تُحسم بعد.

No comments:
Post a Comment