الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
رحلة استغواريـة بين جيولوجيــا الجبـل وذاكــرة الحضـارة النّطوفيــة
الباحـث البيئـي : خالـد أبـو علـي
بين جبال فلسطين ووديانها القديمة، حيث تختزن الصخور ذاكرة الأرض وتحفظ الطبقات الجيولوجية أسرار آلاف السنين، وصل فريق " إلى القمـر" إلى أحد أهم المواقع الأثرية والبيئية في فلسطين والعالم؛ كهف شُقْبــا في وادي الناطوف، ليخوض تجربة استغوارية جمعت بين المغامرة الرياضية، وجمال الطبيعة، وعبق التاريخ الإنساني.
كانت الرحلة نزولا إلى أعماق كهف، وفي عمقها عودة إلى بدايات الحكاية البشرية، إلى المكان الذي شهد مرحلة مفصلية انتقل فيها الإنسان من حياة الصيد وجمع النباتات البرية إلى بدايات الاستقرار وتنظيم المجتمع البشري.
شُقْبــا.. قرية الجبل التي تحمل ذاكرة الوطن
في نهاية الساحل الفلسطيني، وعلى السفوح الجبلية الممتدة بين مدينة الرملة غرباً ومدينة رام الله شرقاً، تستلقي قرية شُقْبــا الفلسطينية كجوهرة طبيعية وتاريخية تحفظ في تضاريسها ذاكرة آلاف السنين. هذه القرية الجبلية التي كانت تتبع إدارياً لمدينة الرملة قبل نكبة عام 1948، أصبحت اليوم ضمن محافظة رام الله والبيرة، بعد أن فقدت مساحات واسعة من أراضيها بفعل أحداث النكبة.
تحيط بشُقْبــا قرى فلسطينية عريقة؛ فتجاورها قبيا ورنتيس من الغرب، ودير أبو مشعل وجمالا من الشرق، وشبتين ونعلين من الجنوب، وعابود واللبن من الشمال، لتشكل لوحة جغرافية فلسطينية غنية تجمع بين الجبل والواد والإنسان.
وفي قلب هذا المشهد الطبيعي يقف كهف شُقْبــا في وادي النّاطوف ، شاهداً صامتاً على واحدة من أهم مراحل التحول في تاريخ البشرية، حين بدأ الإنسان ينتقل تدريجياً من حياة الصيد وجمع النباتات البرية نحو الاستقرار وبدايات الإنتاج الزراعي.
فريق إلى القمـر.. مغامرة بين الصخور وعبق التاريخ
بعد تجارب استغوارية ناجحة في بئر الهاوية في بيت لقيا ومغارة عين موميا في خربثا بني حارث، واصل فريق " إلى القمـر " رحلته نحو أحد أهم الكهوف التاريخية في فلسطين؛ كهف شُقْبــا ، بحثاً عن جمال الطبيعة وعمق الحكاية التي تخبئها الصخور.
وصل الفريق إلى مدخل القرية، وهناك ودّعهم الصديق مروان كنعان بعد أن شعر بالتعب والإرهاق، متمنين له الصحة والسلامة بعد الوعكة الصحية التي ألمّت به لاحقاً.
بدأت رحلة الصعود نحو الجبل، حيث ظهرت فتحة الكهف من الأعلى كأنها فوهة بركان طبيعية نحتتها يد الزمن. كانت الفتحة الأولى بقطر يقارب متراً ونصف المتر، لكنها أغلقت بقضبان حديدية حفاظاً على السلامة، بعد حادثة مؤلمة أدت إلى وفاة طفل يبلغ من العمر ثمانية أعوام إثر سقوطه داخل المغارة في حزيران من العام 2020
حاول أعضاء الفريق إزالة القضبان لتسهيل عملية النزول، إلا أن المحاولة لم تنجح، فغادر بعض أفراد الفريق باتجاه المدخل الرئيسي للكهف، فيما بقي شعور الحماس ممزوجاً بالحسرة لعدم القدرة على خوض التجربة من تلك النقطة.
لكن روح المغامرة لم تتوقف...
الأمل.. النزول إلى قلب الأرض
وصل فريق " إلى القمـر" إلى المدخل الرئيسي للكهف، حيث ارتفع سقفه أكثر من أربعين متراً، وانفتح على حجرة واسعة يبلغ قطرها نحو عشرين متراً، تتفرع منها ثلاث حجرات أخرى مختلفة الأحجام تتصل فيما بينها بممرات طبيعية.
هناك، وسط برودة الكهف العميقة، توقفت الخطوات قليلاً لالتقاط الأنفاس. كانت قطرات العرق التي رسمت طريقها على الوجوه الساخنة من وعورة المسار تلتقي بنسمات باردة خرجت من أعماق الجبل، وكأن الأرض ترحب بضيوفها بعد رحلة طويلة.
وفجأة اكتشف الفريق فتحة أخرى للكهف قريبة من الفتحة الأولى، لكنها كانت مخفية بين تضاريس الصخور. عادت البسمة إلى الوجوه، وتحولت تلك الفتحة إلى نافذة أمل لاستكمال التحدي.
الحبال بين السماء والأرض.. لحظة الانتصار الرياضي
بدأ الكابتن بلال الحوساني قائد فريق " إلى القمـر "، بمساعدة أعضاء الفريق، تجهيز معدات النزول. تم تثبيت الحبال بعناية على الصخور المحيطة، وارتداء الخوذ ومعدات السلامة، لتبدأ واحدة من أجمل لحظات المغامرة.
وبمشاعر مليئة بالحماس، بدأت عمليات الإنزال بالحبال واحداً تلو الآخر، وسط أجواء رياضية مميزة ارتفعت فيها جرعة المغامرة والأدرينالين ، واحداً تلو الآخر، بدأ أعضاء الفريق عملية الإنزال بالحبال إلى أعماق كهف شُقْبــا ، وسط مشاعر الفرح والحماس وارتفاع الأدرينالين، في تجربة جمعت بين الرياضة والمغامرة واكتشاف أسرار الطبيعة.
انتهت عمليات النزول بسلام وأمان، ليغادر الفريق الكهف وهو يحمل في ذاكرته مشهداً لا يُنسى ، صورة استثنائية عن لقاء الإنسان مع الطبيعة والتاريخ ؛ حيث التقت روح المغامر بعظمة المكان، والتقت الرياضة بتاريخ الإنسان الأول.
كهف شُقْبــا.. أكثر من عشرة آلاف عام من الذاكرة الإنسانية
يعتبر كهف شُقْبــا من أهم المواقع الأثرية في فلسطين والعالم، فهو سجل إنساني عالمي يعود إلى آلاف السنين. فقد أثبتت الدراسات الأثرية أن عمر الكهف يزيد عن عشرة آلاف عام ويعود إلى العصر الحجري الوسيط، حيث ازدهرت الحضارة النّطوفية التي شكلت محطة مفصلية في مسيرة الإنسان إذ يعود إلى العصر الحجري الوسيط، وتحديداً إلى الفترة الممتدة تقريباً بين 8000 - 12000 قبل الميلاد. وقد احتوى على أدوات حجرية وعظمية دقيقة مثل الشفرات والسكاكين وأدوات الحصاد المصنوعة من حجر الصوان، وهي أدلة تؤكد طبيعة الحياة اليومية لسكانه القدماء .
من شُقْبــا إلى أريحا.. فلسطين مهد الحضارات
تكمن أهمية كهف شُقْبــا العالمية في أنه يمثل مرحلة سبقت ظهور المجتمعات الزراعية الأولى، وسبق زمنياً حضارة أريحا التي تعد من أقدم المدن في العالم.
فهو موقعاً أثرياً فلسطينياً ، وصفحة من كتاب التاريخ الإنساني، وشاهد على قدرة الإنسان القديم على التأقلم مع الطبيعة وتطوير أدواته وبناء مجتمعه. وقد أُدرج الموقع ضمن قائمة التراث الوطني الفلسطيني، باعتباره أحد أهم الكنوز الأثرية التي تختزنها جبال فلسطين.
الحضارة النطوفية.. البذرة الأولى للاستقرار البشري
لم يكن المجتمع النّطوفي مجتمعاً زراعياً كاملاً، لكنه امتلك نمطاً متقدماً من الاقتصاد القائم على الصيد المكثف وجمع النباتات البرية، مع بدايات الاستقرار الجزئي والتعاون الجماعي.
تشير الأدلة التاريخية إلى أن الجماعات النّطوفية عاشت ضمن مجموعات صغيرة متعاونة، وربما تراوح عدد أفرادها بين 200 و700 شخص، وكانت تعتمد على موارد البيئة المحيطة من جبال ووديان ونباتات وحيوانات.
وقد كشفت الطبقة النّطوفية العليا في الكهف عن تربة سوداء رمادية احتوت على مدافن بشرية، كان معظمها لأطفال، بالقرب من المناطق السكنية، إضافة إلى أدوات صوانية وعظمية استخدمت في الصيد وتحضير الغذاء.
وكانت الباحثة البريطانية دورثي جارود أول من أجرى أعمال تنقيب علمية في الموقع عام 1928، حيث عثرت على شفرات وسكاكين وأدوات حصاد تعود إلى العصر الحجري الوسيط.
الجمال الجيولوجي في مواجهة التهديدات البشرية
تكوّن كهف شُقْبــا بفعل نشاط جيولوجي كارستي طبيعي، حيث عملت المياه عبر آلاف السنين على إذابة الصخور وتشكيل الفراغات والممرات الداخلية التي أصبحت اليوم شاهداً على تاريخ الأرض.
لكن هذا الإرث الطبيعي والإنساني يواجه مخاطر حقيقية، في ظل غياب الحماية الكافية، وتشكل الكسارة الإسرائيلية القريبة، والتي لا تبعد سوى نحو 500 متر عن الكهف، خطراً مباشراً على هذا الإرث الجيولوجي والأثري؛ إذ إن الانفجارات المتكررة الناتجة عنها تؤثر على بنية الصخور التي تشكلت بفعل النشاط الكارستي الطبيعي عبر آلاف السنين، وقد أدت بالفعل إلى انهيارات في أجزاء من الموقع.
كما ساهمت الطرق الالتفافية وشق الجبال المحيطة في تغيير المشهد الثقافي والطبيعي للموقع وتشويه العلاقة التاريخية بين الإنسان والأرض.
صرخة من قلب الجبل
يبقى كهف شُقْبــا أكثر من مغارة عميقة في قلب الجبل؛ إنه ذاكرة الأرض الفلسطينية، ومرآة تعكس رحلة الإنسان منذ خطواته الأولى نحو الاستقرار.
هناك، بين طبقات الصخور ورائحة التراب القديم، تروي الجبال قصة إنسان عاش هنا قبل آلاف السنين، زرع بذور الحضارة الأولى، وترك لنا إرثاً يقول إن فلسطين لم تكن يوماً مجرد مكان فارغ على الخريطة، بل كانت ولا تزال أرضاً احتضنت الحضارات وبدايات الحكاية الإنسانية.
وفي كل مغامرة لفريق "إلى القمر"، نحو أعماق الكهوف كان نزولا بالحبال؛ ورحلة لاكتشاف روح وذاكرة المكان، وجمال الطبيعة، وعمق الانتماء لهذه الأرض، وعلاقة الإنسان بالأرض، ورسالة تقول إن الصخور قد تصمت طويلاً، لكنها عندما تنطق تروي تاريخ أمة وحضارة.
كهف شُقْبــا.. حيث يلتقي نبض المغامرة مع روح الوطن، وتبقى فلسطين كتاباً مفتوحاً تقرأه الجبال .
مصدر الموضوع و الصور :https://www.facebook.com/mishwarpal





.jpg)
No comments:
Post a Comment