الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الخليل – في إحدى قرى جنوب الخليل، تحاول مجموعة من النساء الفلسطينيات تحويل كهف قديم إلى مساحة تجمع بين الحفاظ على التراث الفلسطيني ودعم النساء اقتصاديًا، من خلال عرض المنتجات والحرف التقليدية المحلية، في مبادرة تسعى إلى حماية ذاكرة المكان وتعزيز صمود سكانه في مواجهة الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة.
وتقول فاطمة العوجة، الأخصائية الاجتماعية ورئيسة جمعية نساء الريف، إن الكهوف المنتشرة في جنوب الخليل باتت جزءًا من صراع على الرواية والتاريخ، مشيرة إلى أن بعض هذه المواقع تتعرض للاستيلاء أو الاستخدام لعرض مواد تقدم روايات مختلفة عن تاريخ المنطقة.
«التراث داخل التراث».. مبادرة لحماية الهوية
وفي مواجهة ذلك، أطلقت النساء مشروع «التراث داخل التراث»، بهدف إعادة إحياء الكهف واستخدامه مساحة لعرض المنتجات الفلسطينية التقليدية، وربط الحفاظ على الموروث الثقافي بتوفير فرص اقتصادية للنساء.
وتوضح العوجة أن الكهف تعرض للهدم والردم أكثر من مرة، قبل أن تعود النساء إلى تنظيفه وترميمه وإعادة تأهيله. وترى أن المكان لا يمثل مجرد موقع قديم، بل جزءًا من ذاكرة السكان، إذ عاش فيه الأجداد وشكّل على مدى سنوات جزءًا من حياة المجتمع المحلي.
ويضم الكهف مجموعة متنوعة من المنتجات المحلية، من بينها المطرزات والحقائب والجزادين والملابس التقليدية وأدوات الزينة، إلى جانب منتجات غذائية تصنعها النساء، مثل السمنة واللبنة والعسل والأجبان والألبان.
كما تعرض في المكان أعمال الصوف التي تنتجها نساء مسنات في المنطقة، في محاولة للحفاظ على حرف تقليدية تخشى المبادرة من اندثارها مع مرور الوقت.
التراث مصدر دخل للنساء
لا تقتصر أهداف المشروع على حماية التراث، إذ تسعى المبادرة أيضًا إلى توفير مصدر دخل للنساء اللواتي يعملن من منازلهن أو في مزارعهن وينتجن مختلف القطع والحرف والمنتجات الغذائية.
وترى العوجة أن التمكين الاقتصادي للنساء يمثل عنصرًا أساسيًا في دعم الأسر وتعزيز قدرتها على مواجهة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، خصوصًا في التجمعات الفلسطينية المهمشة في جنوب الخليل.
وتشير إلى أن الحفاظ على التراث يرتبط بشكل مباشر بقدرة السكان على البقاء في أرضهم، معتبرة أن دعم المشاريع النسوية المحلية يساعد في تعزيز صمود الأسر والمجتمعات التي تواجه قيودًا متزايدة على الحركة والوصول.
الحرب أثرت في المبيعات والزوار
وتقول العوجة إن تراجع أعداد الزوار والمبيعات منذ اندلاع الحرب ألحق أضرارًا كبيرة بالمشاريع النسوية، لكنه لم يدفع النساء إلى التخلي عن مبادرتهن.
وفي محاولة للوصول إلى أسواق جديدة، تعمل الجمعية على إطلاق موقع إلكتروني لعرض المنتجات الفلسطينية وتسويقها خارج المنطقة، بما يتيح للنساء الوصول إلى زبائن في مناطق مختلفة ودعم الاقتصاد المحلي.
وتوضح العوجة أن منتجات النساء سبق أن وصلت إلى أسواق وفعاليات دولية، وشاركت بها نساء من المنطقة في فعاليات أقيمت في الولايات المتحدة وبريطانيا وبلجيكا ودول أخرى.
من جنوب الخليل إلى العالم
لا تنظر النساء إلى تسويق منتجاتهن بوصفه نشاطًا اقتصاديًا فقط، بل وسيلة لإيصال قصصهن وتراثهن إلى جمهور أوسع، وتعريف العالم بالحياة اليومية للنساء الفلسطينيات في جنوب الخليل.
وتدعو العوجة الحكومة الفلسطينية والمؤسسات المعنية إلى زيادة حضورها في المنطقة وتقديم دعم اقتصادي أكبر للنساء في التجمعات المهمشة، موضحة أن المطلوب لا يقتصر على المساعدات المباشرة، وإنما يشمل توفير الأدوات والإمكانات التي تساعد النساء والأسر على مواصلة العمل والإنتاج.
وفي هذا الكهف، تتحول الحرف التقليدية من مجرد موروث محفوظ إلى وسيلة للعمل والدخل والصمود؛ فخيوط التطريز وأعمال الصوف والمنتجات الغذائية تحمل ذاكرة المكان، بينما تمنح النساء فرصة لتحويل هذا التراث إلى مورد اقتصادي ورسالة تحافظ على الهوية الفلسطينية وتربط الماضي بالحاضر.
تم انتاح هذه القصة بالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية CFI بدعم من الاتحاد الاوروبي



No comments:
Post a Comment