الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
تواصل آليات إسرائيلية ثقيلة عمليات تجريف ونقل ركام المنازل والمنشآت المدمرة في مناطق متفرقة من قطاع غزة، لا سيما الواقعة خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وسط غياب وسائل الإعلام وفرق التحقيق الدولية عن تلك المناطق. ويثير هذا النشاط مخاوف فلسطينية وحقوقية من طمس أدلة مرتبطة بالهجمات الإسرائيلية، إلى جانب احتمال فقدان رفات شهداء ما زالوا تحت الأنقاض وممتلكات مدنيين دُفنت مع منازلهم.
وفي شمال القطاع، يرصد سكان المناطق المدمرة بصورة شبه يومية شاحنات وحفارات تعمل على تفتيت الركام ونقله إلى مواقع أخرى، في وقت لا تتوفر فيه معلومات واضحة بشأن الوجهات التي يُنقل إليها.
وقال الشاب أحمد نصار، البالغ من العمر 18 عامًا، إن آليات إسرائيلية تعمل يوميًا على إزالة ركام المنازل في مشروع بيت لاهيا، مشيرًا إلى أن بعض المناطق أصبحت خالية تمامًا من الركام، دون معرفة مصير ما كان موجودًا تحت الأنقاض.
مخاوف من فقدان أدلة الجرائم
ويحذر حقوقيون من أن إزالة الركام دون توثيق أو إشراف مستقل قد تؤدي إلى فقدان أدلة مادية يمكن أن تكون ذات أهمية في التحقيقات المتعلقة بالهجمات التي شهدها القطاع.
وقال المحامي عمر شلوف، من مدينة غزة، إن الركام قد يحتوي على رفات ضحايا وبقايا صواريخ وذخائر ومقتنيات شخصية، وهي جميعها عناصر يمكن أن تساعد في توثيق ما جرى والتحقيق فيه.
وأضاف شلوف، الذي استُشهد والداه في قصف على منطقة الطوابين بحي الشجاعية وما زالا تحت الأنقاض خلف "الخط الأصفر"، أنه يخشى أن تشمل عمليات التجريف منزله وجثماني والديه، إلى جانب الوثائق والممتلكات التي بقيت داخل المنزل.
وأوضح أنه ينتظر فرصة تسمح بالوصول إلى المنطقة وانتشال جثماني والديه ودفنهما، قبل أن تطالهما عمليات التجريف ونقل الركام.
رفات مفقودة مع إزالة الأنقاض
وتتزايد المخاوف بشأن مصير جثامين الشهداء الذين لم تتمكن عائلاتهم وفرق الإنقاذ من الوصول إليها خلال فترات القصف والعمليات العسكرية.
ومن بين الحالات التي يرويها السكان جثمان جيهان نظير سويلم، التي استُشهدت في تشرين الأول/أكتوبر 2024 إثر قصف استهدف منازل مأهولة في شمال القطاع. وبعد دفنها في مقبرة مؤقتة بسبب صعوبة الوصول إلى المقابر، لم تتمكن عائلتها لاحقًا من العثور على جثمانها بعد تجريف المنطقة.
وقال ابن عمها رامي سويلم إن أفراد العائلة وجدوا الموقع وقد تغيرت معالمه بالكامل، فيما اختفى الركام والجثمان، دون أن تتوفر لديهم معلومات عن مصيرها.
وتشير تقديرات طبية إلى وجود آلاف الشهداء تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة، بينما انتشلت طواقم الإنقاذ والدفاع المدني مئات الجثامين منذ بدء وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وتشمل المناطق التي تشهد عمليات لنقل الركام مواقع في شمال القطاع، بينها مناطق تل الزعتر وأبو خاطر وبلوكات عدة شرق مخيم جباليا، بالتزامن مع استمرار هدم وتجريف منشآت تقع خلف "الخط الأصفر".
الركام.. ذاكرة مادية للمدينة
ويرى مختصون في العمارة أن ركام غزة لا يمثل مجرد مخلفات للحرب، بل يشكل جزءًا من الذاكرة المادية للمدن والأحياء التي دُمرت.
وقال المهندس المعماري حسين نعيم، الباحث في العمارة ودراسات العنف المكاني، إن إزالة الركام من دون توثيق منهجي قد تؤدي إلى فقدان شواهد مادية توضح حجم الدمار الذي تعرض له النسيج العمراني في القطاع.
وأوضح أن المباني المدمرة والركام الناتج عنها يشكلان سجلًا مكانيًا للتحولات التي شهدتها المدن والأحياء خلال الحرب، مشيرًا إلى أن إزالة هذه الشواهد قبل توثيقها قد تصعّب عمليات التحقيق والدراسة مستقبلًا.
وأشار إلى أن تدمير القرى والبلدات الفلسطينية وإخفاء معالمها تكرر في مراحل سابقة من التاريخ، معتبرًا أن التعامل مع الركام في غزة يطرح، إلى جانب البعد الإنساني، أسئلة تتعلق بالحفاظ على ذاكرة المكان.
خسائر عمرانية هائلة
وبحسب تقديرات محلية وأممية، تعرضت نسبة كبيرة من المباني والمنشآت في قطاع غزة للدمار أو الأضرار منذ بدء الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتقدر الأمم المتحدة أن نحو 92% من المنازل في القطاع تعرضت للضرر أو التدمير، أي ما يقارب 436 ألف منزل، فيما تقدر كمية الركام الناتجة عن الدمار بنحو 50 مليون طن، وهي كمية ضخمة قد تحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها وإزالتها.
ولا يحمل الركام قيمة توثيقية فقط، إذ يمكن إعادة استخدام جزء كبير منه في عمليات إعادة الإعمار بعد فرزه ومعالجته، ما يجعله أيضًا موردًا اقتصاديًا محتملًا في مرحلة التعافي وإعادة البناء.
الممتلكات الشخصية تحت الأنقاض
ولا تقتصر المخاوف على الجثامين والأدلة المادية، إذ لا تزال ممتلكات آلاف العائلات مدفونة تحت أنقاض المنازل التي اضطر سكانها إلى مغادرتها خلال القصف.
وقال المواطن محمد شلايل، الذي كان يعيش شرق مخيم جباليا قبل نزوحه إلى وسط القطاع، إنه غادر منزله تحت القصف في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وترك خلفه أموالًا ومصاغًا ووثائق شخصية، بينها بطاقات هوية وجوازات سفر.
وأشار إلى أن العائلات لا تعرف مصير كثير من هذه الممتلكات، في ظل استمرار عمليات التجريف ومنع الوصول إلى المناطق الواقعة خلف "الخط الأصفر".
غياب التحقيق والوصول المستقل
ويثير منع الصحفيين وفرق التحقيق والجهات القانونية من الوصول إلى المناطق التي تشهد عمليات التجريف تساؤلات إضافية بشأن إمكانية توثيق ما جرى فيها.
ويرى محللون أن نقل الركام دون آليات مستقلة للتوثيق قد يؤدي إلى فقدان معلومات تتعلق بمواقع الضحايا والممتلكات والدمار، فضلًا عن صعوبة تحديد مصير الجثامين التي لم يتم انتشالها.
ومع استمرار عمليات التجريف ونقل الركام، تبقى آلاف العائلات في غزة أمام سؤال مفتوح بشأن مصير جثامين ذويها وممتلكاتها، في وقت تتحول فيه آثار الدمار تدريجيًا من مشاهد ماثلة في المكان إلى ركام يُنقل بعيدًا عن مواقع المنازل والأحياء التي شهدت الحرب.

No comments:
Post a Comment