الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
تخيل مكبًا للنفايات يقع في قلب منطقة صحراوية، حيث تتعرض الأكياس والزجاجات ومواد التغليف البلاستيكية لأشعة الشمس القوية والحرارة الشديدة عامًا بعد عام.
كان الاعتقاد السائد أن هذه النفايات تبقى في مكانها، لا تتحلل بسهولة، لكنها تظل مجرد مشكلة بصرية وبيئية محدودة.
إلا أن مراجعة علمية جديدة تشير إلى أن هذا التصور بعيد عن الواقع، إذ تعمل أشعة الشمس والتقلبات الحرارية والرياح والهواء شديد الجفاف معًا على تفتيت البلاستيك وتحويله تدريجيًا إلى جسيمات أصغر قد تكون أكثر خطورة من النفايات الأصلية.
وأجرى المراجعة عبد الرزاق إزوافاه من الجامعة الفيدرالية في بيرنين كيبي بنيجيريا وفريقه البحثي.
وحلل الباحثون 87 دراسة علمية محكمة نُشرت بين عامي 2016 و2026، بهدف تكوين صورة أوضح عن تأثير الظروف المناخية في المناطق الجافة على النفايات البلاستيكية ، وكيف تختلف هذه التأثيرات عن البيئات الأخرى.
ونُشرت الدراسة في مجلة New Contaminants.

مكبات النفايات الصحراوية لم تحظَ بالاهتمام الكافي
تغطي المناطق الجافة نحو 41% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، ويعيش فيها أكثر من ملياري شخص.
ورغم ذلك، لا تزال مكبات النفايات في المناطق الجافة تحظى باهتمام علمي محدود مقارنة بالكم الكبير من الأبحاث التي تناولت التلوث البلاستيكي في المحيطات أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الأراضي الزراعية.
وقال إزوافاه إن نتائج المراجعة تظهر أن مكبات النفايات في المناطق الجافة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مواقع تخزين سلبية للنفايات البلاستيكية.
وأوضح أن الجمع بين أشعة الشمس القوية والتغيرات الكبيرة في درجات الحرارة وتآكل الرياح وانخفاض الرطوبة يمكن أن يؤدي بصورة مستمرة إلى تفتيت البلاستيك إلى جسيمات أصغر، مع الحد في الوقت نفسه من قدرته على التحلل البيولوجي الكامل.

كيف تفكك أجواء الصحراء البلاستيك؟
تأتي أشعة الشمس في مقدمة العوامل المسؤولة عن تفكك البلاستيك.
فالتعرض المستمر للأشعة فوق البنفسجية يؤدي إلى عملية كيميائية تعرف باسم الأكسدة الضوئية، تعمل تدريجيًا على إضعاف الروابط الجزيئية داخل البلاستيك، حتى يصبح أكثر هشاشة ويبدأ في التشقق والتفتت.
وتلعب الحرارة دورًا إضافيًا، لا بسبب ارتفاعها فقط، وإنما بسبب التغير الكبير في درجات الحرارة بين النهار والليل.
ففي النهار، تتعرض النفايات لحرارة شديدة، بينما تنخفض درجات الحرارة بصورة حادة ليلًا، ما يؤدي إلى تمدد البلاستيك وانكماشه بصورة متكررة، وهو ما يساعد على تكوين شقوق لا تظهر بالسهولة نفسها في البيئات الأكثر اعتدالًا.
ثم تأتي الرمال والغبار التي تحملها الرياح لتعمل كأداة كشط طبيعية، فتحتك بالأسطح المتشققة وتسرّع عملية التفكك.
وهكذا تتضافر ثلاثة عوامل رئيسية، هي الأشعة فوق البنفسجية والحرارة والتآكل بفعل الرياح والرمال، لدفع البلاستيك نحو مزيد من التفتت.
لكن المناطق الجافة تتميز بعامل آخر يزيد المشكلة تعقيدًا، وهو نقص الرطوبة.
فعادةً ما تعتمد الكائنات الدقيقة الموجودة في البيئة على الرطوبة للمساعدة في إتمام عمليات التحلل. وعندما تكون المياه محدودة للغاية، لا تستطيع هذه الكائنات القيام بدورها في تفكيك البلاستيك بالكامل.
وبدلًا من أن يختفي البلاستيك عبر التحلل، يستمر في التشقق والتفتت إلى أجزاء أصغر فأصغر.
وأظهرت المراجعة أن هذه العملية تحدث بوتيرة أسرع في ظل التعرض للأشعة فوق البنفسجية في المناطق الجافة مقارنة بالبيئات المعتدلة.
وكانت الأغشية البلاستيكية الرقيقة من أكثر المواد تعرضًا للتدهور، بسبب ارتفاع مساحة السطح المعرضة للعوامل الجوية مقارنة بكمية المادة التي تتكون منها.

حرق البلاستيك يخلق مشكلة أخرى
تلجأ العديد من مكبات النفايات إلى حرق المخلفات للتعامل مع تراكمها.
لكن حرق البلاستيك لا يعني اختفاءه، بل يؤدي إلى تحويله إلى أشكال جديدة قد تكون أكثر خطورة.
فالحرق غير الخاضع للرقابة يترك وراءه بقايا متفحمة ومنصهرة ومتحورة كيميائيًا، تحتوي على الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات وغيرها من نواتج الاحتراق.
ولا تبقى هذه الجسيمات بالضرورة داخل حدود المكب، إذ يمكن للجسيمات المحمولة جوًا أن تنقلها إلى المناطق المحيطة، ما يزيد من تلوث الهواء الذي يتنفسه السكان القريبون.

البلاستيك المتجوي يجذب الملوثات السامة
تزداد المشكلة سوءًا مع استمرار تفكك البلاستيك.
فمع تعرض سطحه للعوامل الجوية، يصبح أكثر خشونة ومسامية وتفاعلًا من الناحية الكيميائية، ما يجعله أكثر قدرة على جذب الملوثات الموجودة في البيئة المحيطة مقارنة بالبلاستيك الجديد.
وتشير الأرقام التي أوردتها المراجعة إلى أن الجسيمات البلاستيكية القديمة تراكمت عليها المعادن الثقيلة بمعدلات تتراوح بين 2.8 و11.4 مرة مقارنة بالبلاستيك الجديد.
كما تراكمت عليها الملوثات العضوية بمعدلات تراوحت بين 1.9 و6.7 مرة مقارنة بالبلاستيك الحديث.
وبذلك، لا يقتصر خطر البلاستيك على بقائه في البيئة، بل قد يتحول أثناء تعرضه للعوامل الجوية إلى وسيلة أكثر فاعلية لحمل ونقل المواد السامة الموجودة في محيطه.
الرياح والأمطار تنقل الجسيمات بعيدًا عن المكبات
لا تبقى الملوثات الناتجة عن تفكك البلاستيك محصورة داخل مواقع دفن النفايات.
فالرياح يمكن أن تحمل الأغشية والألياف البلاستيكية الخفيفة إلى الغلاف الجوي، بينما يمكن للسيول، التي تحدث بشكل مفاجئ في بعض المناطق الجافة، أن تجرف الجسيمات إلى مناطق تقع في اتجاه مجرى المياه.
وعندما تهطل الأمطار بعد فترات طويلة من الجفاف , يمكن للمياه أن تحمل أصغر الجسيمات إلى داخل التربة.
وتؤدي هذه المسارات المختلفة إلى نقل التلوث إلى مناطق حيوية، من بينها الأراضي الزراعية والأنهار والمياه الجوفية.
وبالتالي، فإن ما يبدأ داخل مكب للنفايات قد لا يبقى هناك، بل يمكن أن ينتشر عبر الهواء والمياه والتربة إلى مناطق أبعد.

البلاستيك الصحراوي يستضيف ميكروبات مقاومة للمضادات الحيوية
كشفت المراجعة أيضًا عن مصدر قلق أقل وضوحًا، يتعلق بالكائنات الدقيقة التي تعيش على أسطح البلاستيك.
وتستضيف الأسطح البلاستيكية مجتمعات صغيرة من الكائنات الحية الدقيقة، يطلق عليها الباحثون اسم «البلاستيسفير».
ووفقًا للمراجعة، تظهر جينات مقاومة مضادات الميكروبات بمعدلات مرتفعة بصورة غير متناسبة داخل هذه المجتمعات مقارنة بالتربة المحيطة.
ويثير ذلك تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كانت مكبات النفايات البلاستيكية في المناطق الجافة يمكن أن تعمل بصورة غير مقصودة كبيئات تساعد على انتشار أو تجمع البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.
ولا تعني هذه النتيجة وحدها إثبات أن المكبات تشكل بؤرًا مؤكدة لتكاثر البكتيريا المقاومة، لكنها تشير إلى مسار يحتاج إلى مزيد من الدراسة والمراقبة.
الحاجة إلى مراقبة أفضل للتلوث البلاستيكي
رغم اتساع نطاق المراجعة العلمية، لا تزال هناك فجوات كبيرة في البيانات.
فلم تحاول سوى نحو 9% من الدراسات قياس الجسيمات التي يقل حجمها عن ميكرومتر واحد.
ويعني هذا القيد أن الحجم الحقيقي للتلوث بالجسيمات البلاستيكية النانوية في المناطق الجافة قد يكون أكبر بكثير مما ترصده البيانات الحالية.
وقال إزوافاه إن تحسين عمليات الرصد ضروري لفهم الحجم الحقيقي للمشكلة وتصميم تدخلات فعالة للحد منها.
وأضاف أن هناك حاجة إلى أساليب تحليل موحدة، وملاحظات ميدانية طويلة الأمد، ونماذج تربط بين حركة الرياح والجريان السطحي وانتقال الجسيمات داخل التربة.
ودعا فريق البحث إلى إنشاء مراصد متخصصة للمناطق الجافة تجمع بين القياسات الميدانية والتصوير المتقدم وتقنيات «الأوميكس» والاستشعار عن بُعد ضمن جهود بحثية منسقة.
وتبدو المهمة طموحة، لكن استمرار نقص البيانات قد يجعل من الصعب على الباحثين بناء قاعدة الأدلة اللازمة لحماية المجتمعات التي تعيش بالقرب من مكبات النفايات.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن مكبات البلاستيك في المناطق الصحراوية ليست مجرد أماكن تتراكم فيها النفايات، بل يمكن أن تتحول، بفعل الشمس والحرارة والرياح والجفاف، إلى مصادر مستمرة لجسيمات بلاستيكية دقيقة وملوثات قادرة على الانتقال عبر الهواء والماء والتربة.
.jpg)
No comments:
Post a Comment