الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحث البيئي : خالد أبو علي
في حضن جبال القدس، وعلى مسافة نحو 18 كيلومترًا من المدينة، تستلقي بيت سوريك كقرية فلسطينية عريقة، تتربع فوق تلالٍ مرتفعة تطل على الأودية والسهول، وتحتضنها طبيعة جبلية آسرة، تتداخل فيها الصخور مع المدرجات الزراعية، وتنتشر بين جنباتها أشجار الزيتون والعنب والتين، شاهدةً على علاقة الفلسطيني القديمة بالأرض، وعلى ذاكرة ريفية ما زالت تنبض بالحياة.
في مساء 11 آب/ 2026، كان لنا مع فريق " امشي وتعرّف على بلدك " موعد مع بيت سوريك، في مسارٍ بيئي مسائي امتد لنحو سبعة كيلومترات، مشينا خلاله بين جبالها وأحراجها وحقولها، نقرأ في تفاصيل المكان ما لا تستطيع الكتب وحدها أن تحكيه.
كانت التلال المقابلة تتنفس حكاياتٍ قديمة، وكانت أشجار الزيتون تلوّح لنا بأغصانها كأمٍّ تعرف أبناءها، مهما طال الغياب. كل خطوةٍ كانت تشبه صلاةً صامتة في محراب الأرض، وكل نسمة هواء تحمل رائحة التراب والزيتون، وكأن الأرض نفسها تهمس لنا بأسماء الذين مروا من هنا وتركوا آثار أقدامهم في الذاكرة.
لكن المشهد الجميل انكسر فجأة.
على مرمى مئات الأمتار، ارتفع جدار الفصل بأسلاكه وحواجزه، كغصّةٍ في حلق المكان، يفصل الجغرافيا عن الجغرافيا، والأرض عن امتدادها الطبيعي والتاريخي. كان جدار من الإسمنت والأسلاك؛ وبدا لنا كأنه فاصلٌ بين قلبٍ ونبضه، وبين ذاكرةٍ وأصحابها.
ومن خلفه، كانت تلوح قرى فلسطينية هُجّر أهلها قسرًا خلال نكبة عام 1948، وأصبحت اليوم داخل الأراضي المحتلة عام 1948. بدت لنا من بعيد كأطيافٍ حزينة، وكأنها تنادينا بصوتٍ خافت:
كنا هنا... وما زلنا
فالقرى التي تحيط ببيت سوريك، ومنها بيت نقوبا وبيت إكسا وقطنة وبدو، لم تكن يومًا مجرد أسماء على خارطة؛ كانت جزءًا من نسيج ريفي فلسطيني متصل، تجمعه الأرض والماء والزراعة والعلاقات الاجتماعية. وكان غرب القدس فضاءً ريفيًا واحدًا، تتبادل قراه الخبز والماء والمحاصيل والحكايات، قبل أن تأتي النكبة لتقطع أوصال المكان، ثم جاءت الجدران لتزيد الجغرافيا تمزقًا.
وخلال مسيرنا بين جبال بيت سوريك وقد قطعنا نحو 7 كيلومترات بين الجبال والحقول والأحراج، كانت الأرض تكشف لنا شيئًا من تاريخها الصامت. شاهدنا بقايا فخار وحجارة منحوتة، وبئرًا محفورًا في الصخر لجمع مياه الأمطار، ما زالت آثار القصارة واضحة على جدرانه. كانت تلك الشواهد الصغيرة تقول إن المكان كان موطنًا لحياة بشرية متعاقبة، تركت آثارها في الحجر والماء والتراب.
وعرفنا لاحقًا عن عدد من المواقع والمعالم التاريخية والأثرية في المنطقة، ومنها عين لوزة، وخربة الوحش، وخربة المران، وخربة البوابة، وخربة الجبل، وعين البلد، ومقام الشيخ عبد العزيز؛ أسماء تختزن في حروفها طبقاتٍ من التاريخ الفلسطيني، وتؤكد أن حماية الطبيعة لا تنفصل عن حماية التراث، وأن صون المكان يعني صون الذاكرة التي تشكلت فوقه.
أما المدرجات الزراعية في جبال بيت سوريك، فكانت واحدة من أجمل لوحات الرحلة. مدرجاتٌ جبلية شيدها الفلاح الفلسطيني عبر أجيال، وحوّل بها انحدارات الجبال إلى حقولٍ منتجة، وزرع فيها الزيتون والعنب، لتصبح المدرجات نفسها جزءًا من التراث الزراعي والبيئي للقرية.
وفي موسم قطافه، لفتتنا أشجار السماق البلدي المنتشرة في المنطقة، ذلك النبات الذي ارتبط بالمطبخ الفلسطيني، ويجمع بين قيمة بيئية وموروث غذائي ظل حاضرًا في حياة الفلاح الفلسطيني.
ثم أخذتنا الطرقات بين أشجار التين بأصنافها المختلفة، وكروم العنب الأسود والأبيض، الممتدة على أطراف الحقول وبين البيوت والطرقات. تذوقنا من ثمار الأرض ما جادت به في هذا الصيف، وابتسمنا ونحن نستحضر المثل الشعبي: يوم العنب والتين ما في عجين.
فحين تكون الأرض سخية، لا يحتاج الفلاح إلى كثيرٍ من الطعام؛ يكفيه ما تمنحه شجرة التين وكرمة العنب من خيرٍ ودفءٍ وشبع.
ومن أعلى التلال، امتدت أمامنا مشاهد القرى التي غادرت أجساد أهلها وبقيت أرواحها في المكان. ظهرت لنا بيت نقوبا، وصوبا، والقسطل، ودير ياسين، وساريس، ولفتا، وعين كارم، وبيت محسير وغيرها من القرى التي تحمل كل واحدة منها فصلًا من فصول الحكاية الفلسطينية؛ قرى بقيت أسماؤها حاضرة، حتى حين غاب أهلها عن بيوتهم.
كانت بيت نقوبا تبدو كظل قريةٍ ما زال يبحث عن ملامحه على ترابه، وصوبا ذاكرة الجبل القديم، والقسطل حارسة الطريق التي لا تزال حجارتها تحفظ صدى المعارك، ودير ياسين جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية، فيما تحمل لفتا وعين كارم حكايات الماء والحجر والبيوت والينابيع، وتبقى بيت محسير واحدة من تلك القرى التي لم تستطع النكبة أن تمحو حضورها من الذاكرة.
وهناك، وقفتُ للحظات بين طبيعةٍ تمنح الحياة وجدارٍ يصادر امتدادها.
شعرت أن المسافة بيننا وبين تلك القرى ليست مئات الأمتار، بل عمرٌ كامل من الفقد.
كانت الأرض جميلة إلى حد الألم، وكانت الحكاية أكبر من أن تُقال. اختبأت في صدورنا دمعةٌ خجولة، ومضينا في الطريق، نحمل الوطن معنا، لأن الوصول إلى بعض أجزائه ما زال محاصرًا بالأسلاك والجدران.
ومع ذلك، لم يكن المشي في بيت سوريك رحلةً في الطبيعة؛ وفعلًا من أفعال استعادة الذاكرة. فكل حجرٍ شاهدناه، وكل شجرة زيتون، وكل مدرج زراعي، وكل بئرٍ قديم، كان يقول إن هذه الأرض لم تكن فراغًا جغرافيًا يومًا، بل كانت وما زالت وطنًا حيًا، صنع الإنسان الفلسطيني على ترابه حضارته وذاكرته وثقافته.
وفي نهاية الرحلة، كانت لنا استراحة كريمة في مزرعة عم الصديق وعضو الفريق حسن قنديل من بيت سوريك ، حيث استقبلنا بكرم الضيافة العربية الأصيلة، وأكرم نحو عشرين من مشاة فريق " امشي وتعرّف على بلدك"، في مشهدٍ أعادنا إلى أجمل ما في الريف الفلسطيني: البساطة، والمحبة، والكرم، ودفء العلاقات الإنسانية.
وكان أجمل ما في المسار مشاركة أبناء صديقنا حسن قنديل ؛ سيف (4 سنوات)، وشمس (7 سنوات)، وفيروز (8 سنوات)، الذين رافقوا الفريق بخفةٍ ونشاط، وتنقلوا بين دروب الجبال كغزلانٍ صغيرة، يسبقون الكبار أحيانًا بخطواتهم الرشيقة، في مشهدٍ جميل يؤكد أن حب الطبيعة والمشي يُزرع في قلوب الأطفال منذ الصغر.
ثم واصلنا طريقنا، قبل أن نعود إلى رام الله محملين بصورٍ جميلة وذكرياتٍ أجمل.
عدنا، لكن بيت سوريك بقيت معنا.
بقيت أشجار الزيتون، وعبق التين والعنب، وطعم السماق، وحجارة الآبار، ومدرجات الجبال، وظلال القرى البعيدة، وبقي الجدار أيضًا... شاهدًا على محاولة فصل الإنسان عن المكان.
غير أن الجدران، مهما ارتفعت، لا تستطيع أن تحاصر الذاكرة.
فالأرض التي تحفظ أسماء أبنائها، لا تنسى.
والقرى التي بقيت في القلب، لا تموت.
والوطن الذي نمشي إليه كل مرة، سيظل أقرب إلينا من أي جدار.
مصدر الموضوع و باقي الصور : https://www.facebook.com/mishwarpal






No comments:
Post a Comment