الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحث البيئي : خالد أبو علي
من إيقاع الدبكة الى دروب الجبال... موسى رفيدي في دروب فلسطين
في مدينة البيرة، حيث تتدرج التلال الفلسطينية بين الحاضر وذاكرة المكان، وُلد موسى جوني موسى رفيدي في السابع من أيلول عام 2011. ومنذ سنوات طفولته الأولى، حمل موسى في داخله فضولاً لا يهدأ تجاه الأرض والطبيعة، قبل أن يتحول هذا الفضول إلى شغف حقيقي بالمشي والاستكشاف والمغامرات الجبلية.
بدأت حكاية موسى مع المسارات البيئية في بدايات جائحة كورونا، حين فرضت الظروف على الناس البقاء في البيوت، وأصبح الحصار المكاني والروتين اليومي ثقلاً على نفوس الأطفال والشباب. لكن موسى لم يكن يحب المكوث طويلاً خلف الجدران؛ كان يبحث عن المساحة المفتوحة، ويتجول في محيطه، ويراقب التفاصيل الصغيرة، مدفوعاً بحب الاستكشاف ورغبة دائمة في اكتشاف شيء جديد.
وكانت والدته نانسي رفيدي أول من التقط هذا الشغف، فشجعته على الانضمام إلى مجموعة "شطحة" للمسارات البيئية، ليبدأ معها خطواته الأولى على دروب فلسطين، حيث تحولت رحلات المشي إلى مدرسة مفتوحة يتعلم فيها عن الجغرافيا والطبيعة والناس والتاريخ.
وكان أول مسار بيئي يشارك فيه موسى هو مسار مطلات البحر الميت. هناك، وقف للمرة الأولى فوق الجبال، يتأمل البحر الميت من علٍ، في مشهد مختلف تماماً عما اعتاد رؤيته. كان البحر الممتد في الأسفل، والجبال المحيطة به، واتساع المشهد أمام عينيه، بمثابة نافذة جديدة على فلسطين؛ نافذة جعلته يرى المكان كحكاية جغرافية جميلة .
ولم يكن ارتباط موسى بالمكان جديداً تماماً؛ فمنذ عام 2018 كان عضواً نشيطاً في مدرسة الدبكة، الأمر الذي أهّله ليكون أحد براعم فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، فشارك في العديد من العروض الفنية والفلكلورية والتراثية. وبين إيقاع الدبكة وخطوات المشي على الأرض، بدأت تتشكل لديه علاقة خاصة بالتراث الفلسطيني؛ علاقة تجمع بين الجسد الذي يرقص على إيقاع الأرض، والقدم التي تمشي فوق ترابها.
ومع مرور الوقت، ازداد شغف موسى عندما بدأ يشارك والدته في مسارات فريق "امشي وتعرف على بلدك"، فخاض عدداً من المسارات الطويلة والمتوسطة، وكان في كل رحلة يعود بحكاية جديدة، وصورة مختلفة، ومعرفة أعمق بمكان من أماكن فلسطين.
وكانت والدته دائماً تربط بين الفن والمشي والانتماء، وتردد له أن أغاني الفنون الشعبية تروي الحكاية بالكلمات وتحمل أيضاً حكاية الإنسان الذي يمشي على أرضه، ويتمسك بها، ويحبها ويحافظ عليها. وهكذا أصبح الطريق بالنسبة لموسى أكثر من مسار؛ أصبح وسيلة للتعرف إلى البلاد، وقراءة جغرافيتها، والاقتراب من تفاصيلها، واكتشاف جمالها المخفي بين الجبال والوديان والقرى.
لكن شغف موسى لم يتوقف عند المشي والاستكشاف، بل امتد إلى عالم المغامرات الجبلية الأكثر تحدياً. ففي فعالية مشتركة بين فريقي "امشي وتعرف على بلدك" وفريق "إلى القمر"، شارك موسى مع والدته نانسي في تجربة إنزال من ارتفاع يقارب 20 متراً في جبال المخرور ببلدة بتير، بإشراف الكابتن بلال الحوساني.
كانت التجربة مغامرة رياضية؛ ولحظة اختبار للشجاعة والثقة بالنفس، ووقوفاً حقيقياً أمام هيبة الجبل. وبين الصخور والمرتفعات، تعلّم موسى أن الجبل لا يمنح أسراره إلا لمن يحترمه، وأن المغامرة الحقيقية ليست في تحدي الطبيعة أو التغلب عليها، وإنما في فهمها واحترامها والعيش معها بروح مسؤولة.
واليوم، يدرس موسى في الصف العاشر في المدرسة الإنجيلية الأسقفية، ويجد متعته في القراءة وتعلم اللغات، وخصوصاً اللغة الإنجليزية. وبين الكتب والخرائط، وبين المدرسة ودروب الجبال، تتسع رؤيته للمستقبل.
يحلم موسى بأن يجمع يوماً بين تخصصه المهني الذي سيختاره وبين عشقه للطبيعة والمسارات والاستكشاف والمغامرات الجبلية. وربما يكون أجمل ما في حكايته أن الطريق هي مدرسةً للحياة؛ يتعلم فيها أن فلسطين ليست فقط المدن التي نسكنها، بل أيضاً الجبال التي نصعدها، والوديان التي نعبرها، والقرى التي نكتشفها، والأغاني التي نحفظها، والأرض التي نحبها ونحافظ عليها.
موسى رفيدي... فتى بدأ خطواته على دروب فلسطين، فوجد في كل خطوة حكاية، وفي كل جبل سؤالاً، وفي كل مسار وطناً جديداً يكتشفه من جديد




No comments:
Post a Comment