الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
يحاول المزارعون الفلسطينيون في قطاع غزة استعادة ما تبقى من أراضيهم الزراعية، وسط دمار واسع طال المحاصيل والبساتين ومصادر المياه ومستلزمات الإنتاج منذ اندلاع الحرب، فيما يأتي موسم الجوافة هذا العام كاختبار جديد لقدرة القطاع الزراعي على الصمود.
وفي منطقة المواصي بمدينة خان يونس جنوبي القطاع، يواصل المزارع هاني القدرة وعمّاله قطف ثمار الجوافة من الأشجار التي نجت من الدمار، رغم تراجع الإنتاج إلى نحو 30% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ونقص المياه والأسمدة ومستلزمات الزراعة.
ومع بدء موسم الجوافة أواخر أغسطس/آب، يستعيد القدرة جزءا من نشاطه الزراعي، لكنه يقول إن الظروف الحالية لا تشبه المواسم السابقة، في ظل المخاطر الأمنية وصعوبة الوصول إلى الأرض وشح الموارد اللازمة للعناية بالأشجار.
وقال القدرة إن مساحة الأراضي المزروعة بالجوافة في جنوب القطاع تراجعت، بحسب تقديراته، من نحو 2500 دونم قبل الحرب إلى قرابة 200 دونم حاليا، فيما لا يتجاوز إنتاج مزرعته هذا الموسم ثلث إنتاجها السابق.
وأضاف أن المزارعين يحاولون الحفاظ على الأشجار المتبقية باعتبارها مصدرا محدودا للدخل، مشيرا إلى أن نقص المياه والكهرباء والأسمدة أثر بصورة مباشرة في قدرة المزارعين على الاستمرار.
دمار واسع طال القطاع الزراعي
وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن نحو 87% من الأراضي المزروعة في قطاع غزة تضررت حتى أواخر سبتمبر/أيلول 2025، بينها نحو 89% من البساتين والأشجار.
وفي تقييم مشترك للفاو ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية "يونوسات"، نشر في أغسطس/آب الماضي، لم تتجاوز الأراضي المزروعة المتاحة وغير المتضررة 3% من إجمالي المساحات الزراعية في القطاع.
وقبل الحرب، كان القطاع الزراعي يمثل نحو 10% من اقتصاد غزة، ويوفر سبل العيش لأكثر من 560 ألف شخص من خلال الزراعة وتربية المواشي وصيد الأسماك، وفقا للفاو.
الزراعة تحت الخطر
ولا تقتصر الصعوبات التي تواجه المزارعين على نقص مستلزمات الإنتاج، إذ يعمل القدرة وعمّاله على مسافة تقارب 100 متر من منطقة تنتشر فيها القوات الإسرائيلية، ما يجعل عملية قطف المحصول محفوفة بالمخاطر.
ويقول القدرة إن العمال اضطروا في بداية الموسم إلى مغادرة الأرض خشية تعرضهم لإطلاق النار، مؤكدا أن استمرار العمل الزراعي في هذه الظروف يمثل مخاطرة يومية.
وتشير الفاو إلى أن صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، إلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بالمزارع والمنشآت الزراعية، تعد من أبرز أسباب تقلص المساحات المتاحة للإنتاج في القطاع.
ويختصر القدرة حجم المخاوف التي يعيشها المزارعون بالقول إنهم قد يبذلون جهودا طويلة للعناية بالأشجار وتشغيل العمال، لكن قذيفة واحدة يمكن أن تدمر ما تبقى من المحصول.
"إذا لم نعمل لا نأكل"
وبالقرب من مزرعة القدرة، يعمل الفلسطيني علاء أبو حسون في جمع ثمار الجوافة، بعد أن نزح من رفح إلى المواصي في خان يونس، ليجد في العمل الزراعي وسيلة لإعالة أسرته.
ويقول أبو حسون إن العمل يجري وسط مخاطر مستمرة، لكنه يمثل مصدر الدخل الوحيد لعائلته، مضيفا أن العمال يواصلون العمل رغم سماع أصوات إطلاق النار والقصف وتحليق الطائرات المسيرة.
ويشير إلى أن تجريف الأراضي وتدمير المحاصيل والمنشآت الزراعية أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من المزارعين والعمال لمصادر رزقهم، لافتا إلى أن نحو 200 عامل في المنطقة فقدوا أعمالهم بعد تدمير الأراضي والمنشآت الزراعية.
وتأتي هذه الظروف في ظل أزمة معيشية واقتصادية واسعة يعيشها سكان قطاع غزة، إذ يحتاج نحو 1.98 مليون شخص، أي 94% من السكان، إلى مساعدات تتعلق بالإيواء والاحتياجات الأساسية، وفقا للأمم المتحدة.
كما يعيش مئات الآلاف في خيام ومراكز نزوح ومنازل متضررة، وسط نقص حاد في المياه والخدمات الأساسية، بالتزامن مع انهيار مصادر الدخل وارتفاع معدلات البطالة.
وبحسب البنك الدولي، بلغ معدل البطالة في قطاع غزة نحو 78% خلال عام 2025، فيما باتت الغالبية تعتمد بدرجات متفاوتة على المساعدات الغذائية والمطابخ المجتمعية لتوفير احتياجاتها الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع، لا يمثل موسم الجوافة بالنسبة للمزارعين مجرد محصول زراعي، بل محاولة لاستعادة مصدر رزق فقدته الحرب، والحفاظ على ما تبقى من أرض وأشجار وقدرة على الإنتاج وسط ظروف استثنائية.
No comments:
Post a Comment