الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
مسارٌ بين ذاكـرة الأرض وعبـق الطبيعـة
الباحـث البيئي: خالـد أبـو علـي
هناك أشياء لا تُقاس بالساعات، ولا تُختصر في المسافات؛ كأن تستيقظ قبل أن تستيقظ المدينة، وتمضي في دروب الجبال لتشهد ولادة يوم جديد. هناك، حيث يكون الفجر أول رفيق للطريق، تصبح الشمس حكاية، وتصير الجبال كتاباً مفتوحاً تقرأ فيه سيرة الأرض والإنسان. فمن يستمتع بالحياة، هو من يعرف كيف يصغي إلى الصباح، وكيف ينتظر خيط الشمس الأول وهو ينساب من خلف الجبال، ذهبياً دافئاً، حاملاً معه أملاً جديداً.
وهكذا بدأت مجموعة " يلا مسارات " مسارها البيئي ، عند نهاية وقت الفجر، في الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم الجمعة 18 أيلول 2026، في رحلة حملت المشاركين من أعالي جبال اللُبن الشرقية وعمّورية، مروراً بجبل طاروجا، وصولاً إلى خِرْبَـةْ قَيْـس الأثرية بطول وصل الى 10.7كيلومتر ؛ كانت رحلة مشي في احضان الطبيعة وعبوراً في جغرافيا فلسطين وذاكرتها.
حين تشرق الشمس فوق طاروجا
ذهب الصباح على جبال فلسطين
كان المشاؤون يسابقون الزمن كي يصلوا إلى اللحظة التي تبدأ فيها الشمس برسم لوحتها الأولى في السماء. ومن على جبل طاروجا، بين قريتي اللُبن الشرقية وعمّورية، وقف المشاركون يراقبون الشروق، والشمس تنثر خيوطها الذهبية على السفوح والوديان، وتوقظ الأشجار من سكون الليل.
كانت لحظة تستحق أن تُحفظ في الذاكرة قبل عدسات الكاميرات؛ سماء تتدرج ألوانها مع أول النهار، وجبال تتوشح بالضوء، وأشجار فلسطينية أصيلة ترسم حول المشهد إطاراً أخضر: البطم الفلسطيني، والقطلب، والسريس، والصنوبر، والخروب، واللوز ، والتين ، كان المشهد يحمل في داخله الكثير من الجمال، وإن ظلّت المستعمرة الإسرائيلية ( معاليه لبونا) في أعالي الجبال شاهداً على واقع جغرافي وسياسي يفرض نفسه على المكان الفلسطيني.
جبل طاروجا… حيث تلتقي الجغرافيا بالحكاية
قمة عالية تحمل ذاكرة المكان والأسطورة
من قمة طاروجا، تبدو فلسطين أكثر اتساعاً. وفي الأجواء الصافية، يستطيع الناظر أن يرى امتداد البحر الأبيض المتوسط من بعيد، في مشهد يختصر طبيعة الجغرافيا الفلسطينية التي تتداخل فيها الجبال والسهول والبحر في لوحة واحدة. وفي قلب الجبل، ينتصب مقام مقدس تحيط به شجرتا سنديان عملاقتان، تعرفان محلياً باسم " الملول" . ويعتقد الأهالي أن تاريخ المقام يعود إلى العصر الأيوبي وما قبله.وكثيراً ما احتضنت هذه المقامات غرفاً حجرية قديمة تتوسطها أضرحة تغطيها الأقمشة الخضراء، فأصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية والتراث الروحي الفلسطيني. وما زال السكان المحليون يولون هذه الأماكن عناية خاصة، فيزورونها ويحافظون عليها ويقدمون النذور فيها. وهنا تتداخل الحقيقة التاريخية مع الرواية الشعبية، فتولد الحكاية.
طاروجا… جبلٌ ولد من حكاية
بين الرواية الشعبية وذاكرة الأجداد
تروي الحكاية الشعبية، التي تبدو أقرب إلى الأسطورة، أن شيخاً صالحاً كان يعيش في هذا المكان في زمن ليس ببعيد، وكان الناس يعتقدون أن رزقه يأتيه رغداً من السماء، وأنه من الأولياء الصالحين. وتقول الرواية إنه كان يطير في الهواء مباشرة إلى الديار المقدسة لأداء الحج، ثم يعود إلى الجبل كل عام. ومن هذه الحكاية الشعبية قيل إن اسم الجبل جاء من مقطعين: " طار" و"أجا"، فأصبح المكان يعرف باسم طاروجا. قد لا تكون الحكاية وثيقة تاريخية، لكنها تبقى جزءاً من الذاكرة الشفوية للمكان، ومن ذلك التراث غير المادي الذي تناقلته الأجيال، وظل حاضراً في وجدان سكان الجبال.
عمّورية… القرية التي خبّأتها الجبال
غادرنا طاروجا، وواصل الفريق سيره نحو قرية فلسطينية تبدو كأن الزمن مرّ من حولها ولم يأخذ منها شيئاً.إنها عمّورية؛ القرية الصغيرة المختبئة في أعالي الجبال، بعيداً عن ضجيج المدن وصخبها، حيث لا بريق سوى أشعة الشمس الصباحية وهي تتسلل بين البيوت القديمة وكروم الزيتون الممتدة على مد البصر. هناك، في هذا الهدوء، يشعر الزائر أن فلسطين ليست فقط المدن والشوارع والأسواق؛ فلسطين أيضاً قرى صغيرة تحرس الجبل، وكروم زيتون تحفظ أسماء أصحابها، وحجارة صامتة تختزن قروناً من الحكايات.
عمّورية الفلسطينية… لا تشبه عمّورية الأناضولتشابه الأسماء واختلاف الجغرافيا والتاريخ
لا ينبغي الخلط بين عمّورية الفلسطينية ومدينة عمّورية التاريخية الواقعة في منطقة الأناضول، والتي اشتهرت في العصر العباسي، خصوصاً بالمعركة التي وقعت فيها سنة 223هـ بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية. أما عمّورية الفلسطينية، فهي قرية صغيرة تقع إلى الجنوب من مدينة نابلس، على مسافة تقارب 25 كيلومتراً، وترتفع عن سطح البحر نحو 700 متر. ويصل إليها طريق ترابي ممهد، فيما تحيط بأراضيها قرى ومناطق عبوين، وخربة قيس، وعارورة، وسلفيت، واللُبن الشرقية. ويربط موقعها الجغرافي بين أكثر من تجمع فلسطيني، فيما تكشف آثارها عن أهمية تاريخية تعاقبت عليها حضارات وفترات زمنية متعددة.
حجارة عمّورية… حين تتحدث الأرض
آثار تمتد عبر عصور متعاقبة
تضم عمّورية مواقع وآثاراً تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، من العصر الحديدي الثاني، والهلنستي، والروماني، والصليبي/الأيوبي، والمملوكي، والعثماني.وخلال تجوالنا في القرية، ظهرت لنا القبور الرومانية المنحوتة في الصخر، والتي تلفت النظر بدقة تشكيلها وهندستها، وكأن أيدي الإنسان القديم تركت رسائلها في قلب الصخر لتصل إلى أحفاد المكان.في هذه القبور والحجارة نرى آثار قديمة؛ ونرى طبقات من التاريخ الفلسطيني، تعاقبت فوق هذه الجبال، وتركت لكل عصر بصمته في المكان.
شجرة التوت… ذاكرة عمّورية تحت الظلال
حين كانت الشجرة مجلساً للرجال وبيتاً للضيافة
وفي قلب عمّورية، تقف شجرة توت ضخمة يقدّر الأهالي عمرها بنحو خمسمائة عام. تتوسط الشجرة ساحة المسجد العمري، وكأنها حارسة قديمة لذاكرة القرية. تحت ظلها كان رجال العائلات القرية يجتمعون، ويعقدون مجالسهم، ويستقبلون ضيوفهم، ويتقاسمون الطعام، ويتحدثون عن شؤون الحياة وهمومها وأحوال الناس. كانت الشجرة مكاناً اجتماعياً، وذاكرةً حيّة، وشاهداً على حياة القرية.وهكذا يصبح الحفاظ على الأشجار المعمّرة حفاظاً على الطبيعة وعلى ذاكرة المكان.
عطر الجبل…
الميرمية والزعتر والنباتات البرية في ذاكرة الفلسطيني
استكمل الفريق سيره بين الجبال، وكان الهواء يحمل رائحة الأرض بعد أن لامستها رطوبة الصباح. كانت الميرمية الجبلية والزعتر والزعتر الفارسي وغيرها من النباتات الطبية البرية حاضرة على جانبي الطريق، تذكرنا بأن الجبل الفلسطيني حجراً وصخورا ومنظومة بيئية غنية ايضا ، ارتبط الإنسان بها منذ آلاف السنين. وكانت هذه الجبال، وفق ما يرويه كبار السن، أكثر غنى بالحياة البرية في الماضي، حيث كانت تعيش فيها حيوانات مثل الوبر الصخري والغزلان والثعلب الأحمر، إلى جانب أنواع عديدة من الطيور البرية. لكن الصيد الجائر وتغير استخدامات الأراضي والضغوط البشرية أثرت في هذه الحياة البرية، فغابت أنواع أو تراجعت أعدادها من كثير من المناطق. إن استعادة هذه الحياة البرية هي قضية بيئية بالدرجة الأولى؛ واستعادة لجزء من روح الجبل الفلسطيني.
خِرْبَـةْ قَيْـس … حين يصل الطريق إلى حضن التاريخقرية صغيرة تحيط بها الجبال وتحرسها الذاكرة
واصل الفريق مسيره حتى بلغ، في منتصف الظهيرة، خِرْبَةْ قَيْس؛ تلك القرية الوادعة التي تتكئ على سفوح الجبال، وتحيط بها أشجار الزيتون والصنوبر، وكأن الطبيعة اختارت لها هذا الحضن الأخضر لتبقى بعيدة عن ضجيج المدن، وقريبة من ذاكرة الأرض.
وكان لنا في خِرْبَـةْ قَيْـس لقاء جميل مع أبناء البلدة الأكارم، الشابين سامر محمد وزيد عبد الفتاح، اللذين استقبلا الفريق بكل حفاوة وكرم، ورافقانا في بقية الرحلة، ليسيرا معنا بين جبال الزيتون والصنوبر، ويعرّفانا على تفاصيل المكان ودروبه وحكاياته التي تحفظها الجبال جيلاً بعد جيل.
وسار الفريق بمحاذاة شِعْب " الموس"، ذلك الوادي الجميل الذي يشق الجبال، ويحمل مياه السيول في فصل الشتاء باتجاه الغرب، فيرسم في تضاريس المكان مجرى طبيعياً يربط بين السفوح والأودية، ويكشف عن جمال الجغرافيا الفلسطينية حين تلتقي فيها الصخور بالماء، والشجر بالمطر.
هناك، بين أشجار الزيتون والصنوبر، كانت العين تلتقط ما لا تراه في عجلة الحياة اليومية؛ صخرة عتيقة، وشجرة معمرة، وتجويفاً في قلب الجبل، وصوت عصفور يقطع سكون المكان. كل زاوية كانت تحمل حكاية، وكل درب كان يبدو كأنه يقود إلى فصل جديد من تاريخ هذه الأرض.
وبينما كنا نتابع سيرنا بين الأشجار الحرجية، انفتحت السماء وهطلت أمطار أيلول بغزارة، فاستقبلها المشاركون بفرح واستبشار؛ فالمطر في فلسطين هو جزء من ذاكرة الأرض، ورفيق الزيتون والقمح والتين والمراعي، وبداية موسم جديد تتنفس فيه التربة وتستعيد الجبال لونها وحيويتها.
وفي تلك اللحظة، بدا المشهد وكأن أيلول قد غسل وجه خِرْبَـةْ قَيْـس بالمطر، ليعيد للطبيعة بريقها، وللذاكرة رائحتها، وللرحلة معنى آخر.
خريف فلسطين… موسم يتصالح فيه المطر والشمس
أيلول طرفه بالشتا مبلول
الخريف هو الفصل الثالث بين الصيف والشتاء؛ إنه فصل التحول. فيه تتساوى ساعات الليل والنهار تقريباً، وتتجاور حرارة الصيف مع برودة الشتاء، ويبدأ المطر بملامسة الأرض، فيما تستعد الأشجار لتغيير أثوابها. إنه فصل نهاية جمال وبداية جمال آخر؛ تتساقط أوراق قديمة، وتتهيأ الطبيعة لموسم جديد.
ولذلك قال الأجداد: " أيلول طرفه بالشتا مبلول"
وقالوا أيضاً: آخر أيلول الصيف بزول".
فالأمثال الشعبية الفلسطينية سجلاً شعبياً لمراقبة الطقس والمواسم والزراعة.
أيلول والزيتون… حين تبدأ الحبة بصناعة الزيت
حكمة الفلاح الفلسطيني في مراقبة الأرض
ارتبط أيلول عند الفلسطينيين بموسم الزيتون ونضجه، فقال الأجداد: " أيلول دبّاغ الزيتون"
وقالوا: " في أيلول بنزل الزيت في الزيتون"،
وكذلك: " في أيلول بيطيح الزيت في الزيتون والمُرّ في الليمون" .
وكان الفلاح يراقب تغير لون حبات الزيتون، وانتقالها التدريجي من الأخضر إلى درجات أكثر قتامة، بوصف ذلك مؤشراً على دخولها مراحل النضج وتكوّن الزيت.
أما أمطار أيلول الخفيفة، المعروفة شعبياً باسم" المساطيح» أو " الصليب" في بعض المناطق، فارتبطت في الذاكرة الزراعية بغسل ثمار الزيتون من الغبار المتراكم قبل بدء موسم القطاف. ومن هنا نفهم كيف كان الفلسطيني القديم يقرأ السماء والشجرة والتربة معاً؛ فالزراعة كانت مدرسة مفتوحة لتعلّم المناخ.
المساطيح… حكاية التين المجفف
ومن أمثال الأجداد أيضاً: " إذرو المساطيح من الريح". والمساطيح ألواح خشبية كان الفلاح يضع عليها ثمار التين لتجفيفها في نهاية الموسم وتحويلها إلى قطين.
وكان المثل يحمل نصيحة زراعية واضحة: حماية التين المجفف من الرياح عندما تشتد، حتى يستمر التجفيف بطريقة مناسبة. هكذا كان التراث الزراعي الفلسطيني يختزن معرفة دقيقة بالطبيعة، من حركة الرياح إلى توقيت المطر، ومن نضج الزيتون إلى تجفيف التين.
القطلب… ثمرة حمراء في قلب المطر
ومن أجمل ما لفت انتباهنا خلال المسار في جبال خِرْبَـةْ قَيْـس شجرة القطلب بثمارها الحمراء اللامعة. ويشار إلى القطلب الشائع علمياً باسم Arbutus unedo، فيما يرد اسم Arbutus andrachne لنوع آخر من القطلب/الفراولة الشجرية ضمن الجنس نفسه. وتُعرف ثمار بعض أنواع القطلب في مناطق مختلفة من العالم بأسماء شعبية متعددة، ومنها " فراولة الجبال". وللقطلب في الذاكرة الشعبية حكايات وأساطير، ومن بينها اسطورة " قاتل أبيه" التي سنترك تفاصيلها لحكاية أخرى، لأن بعض الأشجار لا تكفيها مقالة واحدة.
خِرْبَـةْ قَيْـس … قرية بين الجبال
تقع خِرْبَـةْ قَيْـس في محافظة سلفيت شمال الضفة الغربية، وهي تجمع فلسطيني صغير يبلغ عدد سكانه نحو 300 نسمة وفق الرواية المحلية. تحيط بها الجبال من مختلف الجهات، وكأنها واحة صغيرة من الأرض المنبسطة وسط كتلة جبلية خضراء وصخرية. وفي فلسطين، ارتبطت كلمة " خربة" عادة بالمواقع التي كان فيها عمران قديم ثم تهدم أو اندثر، ولذلك تنتشر أسماء الخرب في مناطق كثيرة من البلاد، ويضاف إليها اسم لتمييز كل موقع عن الآخر.
ويربط الأهالي اسم خِرْبَـةْ قَيْـس بمقام أحد الأولياء الصالحين المعروف باسم قيس الأنصاري، بينما تورد روايات أخرى تفسيراً مختلفاً للاسم مرتبطاً بالتقسيم القديم بين قيس ويمن. وهنا أيضاً تبقى الرواية الشعبية جزءاً من ذاكرة المكان، مع ضرورة التمييز بينها وبين ما تثبته المصادر التاريخية والأثرية.
جبال خِرْبَـةْ قَيْـس … خريطة طبيعية تحيط بالقرية
تقع خِرْبَـةْ قَيْـس في موقع مرتفع تحيط به سلسلة من الجبال والمرتفعات. فمن الشرق يظهر جبل رأس مقحار، ومن الشمال رأس القرينعة، ومن الشمال الشرقي رأس زيد، بينما تمتد من الشمال الغربي جبال فرخة. ومن الغرب تظهر جبال قراوة بني زيد، ومن الجنوب الغربي جبال مزارع النوباني، ومن الغرب الجنوبي جبال عارورة، فيما ترتبط من الجنوب الشرقي بجبال عبوين.
وهذه الأسماء شبكة من الذاكرة الجغرافية التي صنعها الإنسان الفلسطيني عبر الزمن، فأعطى لكل قمة وسهل ووادي اسماً، وحوّل الجغرافيا إلى لغة.
" حيط البد"… معصرة زيتون تحت الأرض
من أبرز ما شاهدناه في خِرْبَـةْ قَيْـس " حيط البد"، وهو كهف يقع تحت سطح الأرض، تعلوه بقايا عدد من البيوت القديمة والمهدمة في الجزء الغربي القديم من القرية. وللكهف مدخل واحد، بينما جزء من سقفه معقود بحجارة كبيرة. وتشير مكوناته إلى استخدامه كمعصرة زيتون قديمة، ويُعتقد محلياً أنها كانت تعمل خلال القرن التاسع عشر. وفي داخل المكان يوجد فرش حجري مستدير، إضافة إلى عامود خشبي كان يسند حجراً آخر يتعامد مع الفرش ويدور عليه باستخدام الدواب، لسحق ثمار الزيتون واستخراج الزيت. إن الوقوف أمام هذه المعصرة يعيدنا إلى زمن كان فيه إنتاج الزيت يعتمد على قوة الإنسان والحيوان والحجر، قبل أن تدخل الآلات الحديثة إلى تفاصيل الحياة الزراعية.
المطر… أجمل ضيف في نهاية الرحلة
حين غسل أيلول وجه الجبل
وبينما كنا نعبر المسار بين الأشجار والجبال، انفتحت السماء، وهطلت أمطار أيلول بغزارة. كان المطرجزءاً من جمال المسار. تبللت الصخور، وتغيرت رائحة التراب، وازدادت النباتات البرية اخضراراً، وكأن الجبل تلقى أول جرعة من الحياة استعداداً لموسم جديد. في فلسطين، يملك المطر ذاكرة خاصة؛ فكل قطرة منه مرتبطة بأرض تنتظر، وشجرة زيتون تستعد لموسم القطاف، وفلاح يراقب السماء، وطفل يركض تحت الغيمة.
من عمّورية إلى خِرْبَـةْ قَيْـس … مسار في جسد فلسطين
نمشــي لنكتشف، ونكتشف لنحمي
كانت الرحلة البيئية في جغرافيا فلسطين الطبيعية، وفي ذاكرتها الأثرية، وفي تراثها الزراعي والشعبي، وفي نباتاتها البرية وأشجارها المعمّرة. من شروق الشمس فوق جبل طاروجا، إلى مقامه القديم وحكايته الشعبية؛ ومن عمّورية وآثارها وشجرة التوت العتيقة، إلى رائحة الزعتر والميرمية في السفوح؛ ومن أمطار أيلول إلى خِرْبَـةْ قَيْـس ، بمعاصرها ومغاورها وزيتونتها العتيقة. كل خطوة كانت تقول لنا إن فلسطين أرضاً نعيش فوقها، وذاكرة نعيش بها.
وحين نمشي في هذه الدروب، فاننا نعيد اكتشاف المكان وعلاقتنا به، ونتعلم أن حماية الطبيعة والتراث مسؤولية المؤسسات ومسؤولية كل من يحب هذه الأرض.
وداعاً خربة قيس…
مع انتصاف النهار، حان وقت العودة إلى رام الله. غادرنا خِرْبَـةْ قَيْـس ، لكن خِرْبَـةْ قَيْـس لم تغادرنا. حمل كل مشارك معه صورة، ورائحة مطر، وحكاية، واسم جبل، وشجرة، وحجراً قديماً، وربما سؤالاً جديداً عن الأماكن التي ما زالت تنتظر من يكتشفها ويحكي قصتها.
فالطريق ينتهي، لكن الحكاية لا تنتهي.
وما بين عمّورية المنسية وخِرْبَـةْ قَيْـس الأثرية، بقيت الشمس الذهبية شاهدة على صباح فلسطيني جميل؛ صباح مشيناه بأقدامنا، وقرأناه بعيوننا، وشعرنا به في القلب. هكذا تكون الرحلات حين تتحول من مسارات على الأرض إلى مسارات في الذاكرة؛ نمشي في فلسطين، فتسكن فلسطين فينا.






No comments:
Post a Comment