نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Monday, October 5, 2026

زيتونة " الوَلَجَـــةُ ".. شجرة تتحدى الجدار وتحرس ذاكرة المكان

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands


الباحث البيئي : خالد أبو علي

تعتبر شجرة الزيتون في فلسطين، شجرة مثمرة مقدسة؛ لما تحمله من حكايات، وما شهدته من تحولات، فهي جزء من ذاكرة الأرض، ورفيقة الفلاح، وعنوان للكرامة والصمود، وسجلّ حيّ لتاريخ المكان والإنسان.
فالزيتون شجرة مباركة، يحتل غصنها مكانة رفيعة في وجدان الشعوب، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم والإنجيل، وأصبحت أغصانها عبر التاريخ رمزًا للسلام والمحبة والحكمة والوفاق والوئام. ومنذ آلاف السنين، عرف الفلسطينيون وأجدادهم الكنعانيون والفينيقيون والأنباط قيمة الزيتون وزيته، في الغذاء والعلاج والإنارة، حتى كان زيت الزيتون وقودًا للمصابيح في البيوت والساحات ودور العبادة والمسارح.


أمُّ الأشجار المعمّرة في فلسطين

وفي ربوع فلسطين، تنتشر أشجار زيتون معمّرة تحمل في جذوعها ودوائرها وحفرها العميقة ذاكرة أجيال متعاقبة. ومن بين هذه الأشجار تبرز شجرة استثنائية في قرية الوَلَجَـــةُ ، غرب بيت لحم، تُعرف باسم " شجرة البدوي"، وتُعد من أضخم وأقدم أشجار الزيتون في فلسطين.
تقع الشجرة في منطقة " وادي جويزة "، على مقربة شديدة من جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، حتى إن المسافة بين جذعها والجدار لا تتجاوز نحو عشرة أمتار.
ولأن الفلسطينيين لطالما منحوا الأشجار أسماء تشبه علاقتهم بها، فقد حملت هذه الشجرة عبر السنين أسماء عديدة، منها: الحصن، والمرأة العجوز، وأم الزيتون، وعروس فلسطين.
لكن أكثر أسمائها شهرة هو " شجرة السيد أحمد البدوي" أو " شجرة البدوي "، نسبةً، وفق الرواية الشعبية المتوارثة، إلى السيد أحمد البدوي الذي اعتكف تحت ظلها، متأملًا ومتعبدًا وزاهدًا في الدنيا ومتاعها، فارتبط اسمه بهذه الشجرة التي تحولت مع الزمن إلى جزء من ذاكرة المكان وحكايات أهله.

خمسة آلاف عام من الوقوف

تختلف الروايات والتقديرات حول عمر هذه الشجرة، إلا أن بعض الروايات المحلية تقدر عمرها بأكثر من خمسة آلاف عام؛ أي أنها، وفق هذا التقدير، كانت قائمة قبل ميلاد الأنبياء بقرون طويلة. وسواء اتفقنا على هذا الرقم أو اختلفنا حوله، فإن المؤكد أن " شجرة البدوي" تنتمي إلى طبقة نادرة من الأشجار المعمرة التي تختزن في جذوعها ذاكرة عميقة للمكان.
شجرة ربما كانت هنا قبل أن تتغير خرائط المنطقة مرات ومرات، وشهدت تعاقب الحضارات والأديان والأحداث، وعاصرت نشوء المسيحية والإسلام، وبقيت جذورها متشبثة بهذه الأرض، وكأنها تقول لكل عابر: هنا أرضٌ لها ذاكرة، وهنا شعبٌ له جذور.



الوَلَجَـــةُ.. قرية تقاوم الجدار بالشجر والحجر

في يوم الجمعة، 2 تشرين الأول 2026، أتيحت لفريق " إلى القمر " للإستغوار والرياضات الجبلية فرصة زيارة هذه الشجرة العريقة في قرية الوَلَجَـــةُ الجميلة التي تحيط بها الجبال والوديان وحقول الزيتون؛ وهي واحدة من القرى الفلسطينية الصامدة في محيط القدس، وقد واجهت خلال العقود الماضية سياسات المصادرة والتجريف وهدم البيوت والاستيطان وجدار الفصل العنصري. ومن هنا تكتسب " شجرة البدوي " قيمة تتجاوز قيمتها الزراعية والبيئية؛ فهي تقف اليوم بمحاذاة الجدار، كشاهد أخضر على علاقة الفلسطيني بأرضه. لقد اقترب الجدار منها حتى كاد يطاول جذورها، وتعرضت المنطقة لأعمال تجريف وتفجير خلال تشييده، لكنها بقيت واقفة.

الجدار تغيّر، والخرائط تغيّرت، أما الزيتونة فما زالت في مكانها.

" أبو عيسى".. حارس الشجرة وحارس الحكاية
تعتز عائلة صلاح أبو علي " أبو عيسى" بامتلاك هذه الشجرة المعمرة، وقد تحولت علاقته بها من علاقة مزارع بشجرة؛ الى علاقة وجدانية تشبه، كما يقول، علاقة الجسد بالروح.
وفي 16 حزيران 2009، عيّنت وزارة الزراعة الفلسطينية أبو عيسى حارس طبيعة لأقدم شجرة زيتون، ومنذ ذلك الوقت أصبح يقضي جزءًا كبيرًا من يومه إلى جوارها، يستقبل الزوار الفلسطينيين والأجانب، ويعرّفهم بتاريخها وحكاياتها وخصائصها.
جلسنا مع أبو عيسى تحت ظلها، نستمع إلى حكايات الشجرة، فيما كان الجدار الفاصل لا يبعد عنها سوى أمتار قليلة. وحين يتحدث أبو عيسى عن الشجرة ، تشعر أن الحديث يدورعن فرد من أفراد العائلة. يقول إنه يمضي يومه بجوارها، وإنه نام في بعض الليالي إلى جانبها، وكأن وجوده بالقرب منها نوع من الحراسة المتبادلة: هو يحرسها، وهي تحرس ذاكرة المكان.

شجرة واحدة.. كرم من الزيتون

تبلغ الشجرة، وفق المعلومات المتداولة محليًا، نحو 12 مترًا ارتفاعًا، ويصل قطر امتدادها إلى حوالي 25 مترًا، بينما تغطي مساحة تقدر بنحو 250 مترًا مربعًا. والأكثر إثارة أن الشجرة الأم تخرج منها نحو 22 شجرة أخرى، حتى تبدو للناظر وكأنها ليست شجرة واحدة، بل كرم زيتون كامل. ولهذا يقول أبو عيسى: " الشجرة بمثابة كرم زيتون" .
أما إنتاجها فقد كان يصل إلى نحو 500 كيلوغرام من ثمار الزيتون سنويًا، قبل أن يتراجع في السنوات الأخيرة بفعل قلة الأمطار وتغير الظروف المناخية.

" الحواري".. زيت بطعم الأرض

ومن ثمار هذه الشجرة، التي يطلق عليها أبو عيسى اسم " الحواري"، يُستخرج زيت يصفه بأنه أشبه بـ " السمن "، في إشارة إلى جودته ونكهته المميزة. وتشتهر منطقة بيت جالا والوَلَجَـــةُ والقرى المحيطة بها بإنتاج زيت زيتون عالي الجودة، وهو جزء من منظومة زراعية فلسطينية عريقة ارتبطت بالأرض والموسم والعائلة.
فالزيتونة في فلسطين موسم زراعي واجتماعي كامل رغم كل التحديات التي يواجهها المزارعون في هذه ألأيام من اعتداءات وسرقة للمحصول .في موسم القطاف تجتمع العائلات، تمتد الأيدي إلى الأغصان، تُفرش الأغطية تحت الأشجار، وتتعالى الأغاني والحكايات، ويُحمل المحصول إلى المعاصر، ثم يعود الزيت إلى البيوت في أوعية تحفظ طعم الأرض ورائحة الموسم.
وهكذا يصبح الزيتون جزءًا من التراث الثقافي غير المادي الفلسطيني، من طقوس القطاف إلى الأغاني والأمثال والحكايات الشعبية المرتبطة به.

حين تصبح الشجرة عنوانًا للهوية

تتعرض الأشجار المعمرة في فلسطين، وخاصة أشجار الزيتون، لمخاطر متعددة، من الاقتلاع والتجريف والاعتداءات إلى الجفاف والتغير المناخي وشح المياه. لكن خطورة استهداف هذه الأشجار لا تكمن فقط في فقدان شجرة أو محصول؛ فالشجرة المعمرة تحمل ذاكرة المكان. كل جذع قديم هو أرشيف طبيعي، وكل جذور ممتدة في التراب تحكي عن أجيال زرعت وحرثت وحصدت وعاشت هنا.
ولهذا فإن حماية الأشجار المعمرة هي في الوقت نفسه حماية للتنوع الحيوي، وللزراعة التقليدية، وللتراث الثقافي، وللذاكرة الجمعية، وللاقتصاد الريفي الفلسطيني.

زيتونة الوَلَجَـــةُ.. ذاكرة خضراء لا تنحني

وقفت شجرة البدوي أمامنا في ذلك اليوم، هادئةً وعتيقة، بينما ارتفع الجدار خلفها. لم تكن بحاجة إلى خطاب سياسي، ولا إلى كلمات كثيرة. كان جذعها وحده كافيًا. كانت جذورها تقول إن الأرض لا تُقاس فقط بمساحتها على الخرائط، وإنما بما تحمله من ذاكرة، وبما ينبت فيها من أشجار، وبما تركه عليها الإنسان من أثر. وفي مواجهة الجدار، بقيت الزيتونة خضراء.
وربما أجمل ما يمكن أن نقوله عنها هو: هذه ليست أقدم زيتونة فحسب...هذه شجرة تحفظ ذاكرة المكان، وتحرس حكاية الأرض، وتقاوم بصمت.
من الوَلَجَـــةُ ، حيث تلامس أغصان الزيتون سماء فلسطين، وحيث لا يفصل الشجرة عن الجدار سوى بضعة أمتار، تبقى زيتونة البدوي شاهدة على أن بعض الأشجار لا تعيش فقط على الأرض... بل تعيش الأرض فيها.

فلنذهب إلى الوَلَجَـــةُ... ولنترك أثرًا يحمي الذاكرة

إن زيارة " شجرة البدوي " في الوَلَجَـــةُ لرؤية شجرة معمّرة، هي حقا رحلة إلى عمق التاريخ، وإلى ذاكرة الأرض، وإلى واحدة من أجمل صور ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه وشجره وتراثه.
ومن هنا، فإن زيارة هذه الشجرة ودعم حارسها وخادمها " أبو عيسى " هي مساهمة حقيقية في حماية موقع طبيعي وتراثي وإنساني يستحق أن يبقى للأجيال القادمة.
فلنذهب إلى الولجة، ولنرَ الشجرة بأعيننا، ولنستمع إلى حكايتها من حارسها، ولنساعده كي يواصل مهمته.
وكل زائر يصل إلى المكان، وكل فلسطيني يعرّف أبناءه بهذه الشجرة، وكل من يشتري من منتجات الأرض ويدعم أهلها، إنما يشارك في إبقاء هذه الذاكرة حيّة.
لذلك، فلنجعل من شجرة البدوي مقصدًا من مقاصد السياحة البيئية والتراثية الفلسطينية، ولنجعل زيارتها فعل محبة للأرض، ودعمًا لأهلها، وحمايةً لتراثها.
اذهبوا إلى الولجة...
صافحوا جذع الزيتونة،
استمعوا إلى حكاياتها،
وادعموا حارسها،
كي يبقى حارسًا للذاكرة.
فقد ترحل أجيال، وتتغير خرائط، ويعلو الجدار، لكن ما دامت الزيتونة واقفة، وما دام هناك من يحرسها، تبقى الحكاية الفلسطينية خضراء.

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

134 ألف مبنى مدمر و328 ألف وحدة سكنية متضررة في غزة

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands قال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إن نحو 201,290 مبنى في قطاع غزة تضرر جراء الحرب الإسرائيلية المتواصل...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????