الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
عناقيـد من المرجـان الأحمـر تزيّـن ذاكـرة الجبـال
الباحث البيئي : خالد ابو علي
في جبال رام الله، حيث تتعانق الصخور مع أشجار البلاد، وتروي الدروب حكايات الأرض وأهلها، يفاجئنا الخريف أحيانًا بجمالٍ لا ننتبه إليه إلا حين نمنح الطبيعة وقتًا كافيًا لنصغي إلى تفاصيلها الصغيرة.
خلال المسار البيئي المسائي لفريق " امشي وتعرّف على بلدك"، يوم الثلاثاء 6 تشرين الأول 2026، استوقفتنا شجرة خروب جميلة تتوسّط الجبل كحارسٍ قديم، ضاربٍ جذوره في ذاكرة المكان، وشاهدٍ على تعاقب الفصول والأجيال.
لفتت أنظارنا تجمعات حمراء داكنة، مائلة إلى البني، تتراصّ على جذع الشجرة وأغصانها الكبيرة، في مشهدٍ يشبه عناقيد المرجان الأحمر التي تزيّن جسد الجبل. كانت أزهار الخروب الصغيرة تتجمع في عناقيد كثيفة، كأن الشجرة قررت أن تكشف لنا سرًّا من أسرار الخريف الفلسطيني.
ناديت صديقي أحمد حسن جرغون، الذي كان منهمكًا في تصوير الطبيعة والصخور، وقلت له أن يوثّق هذا المشهد الجميل؛ فبعض اللحظات تستحق أن نحفظها بالصورة، لأنها تفتح أمامنا نافذة على عالم النبات وأسراره.
وشجرة الخروب، واسمها العلمي Ceratonia siliqua، من الأشجار المتوسطية الأصيلة في بيئتنا، ارتبطت بالأرض الفلسطينية وبساتينها وذاكرتها الزراعية. وهي شجرة معمّرة، تتحمّل الجفاف، وتقاوم قسوة الظروف، وتمنح الجبال خضرتها وظلّها، فيما تشكّل أزهارها وثمارها جزءًا من دورة الحياة التي تصل النبات بالحشرات والكائنات الأخرى.
ومن الظواهر اللافتة في الخروب أن أزهاره قد تظهر مباشرة على الجذع والأغصان القديمة، وهي ظاهرة نباتية تُعرف علميًا باسم الإزهار على الجذع والأغصان الخشبية (Cauliflory). وتزهر أشجار الخروب في مناطق من فلسطين خلال أواخر الصيف والخريف، وقد تمتد فترة الإزهار عادةً من آب إلى تشرين الثاني، بحسب الموقع والظروف المناخية.
وهكذا حمل لنا تشرين الأول جماله الخاص بين جبال رام الله؛ فبين الصخور التي تحفظ حكايات الزمن، والأشجار التي تتشبّث بالأرض، جاءت أزهار الخروب لتذكّرنا بأن الخريف قد يعتبره البعض موسم الذبولٍ لكنه في الواقع موسم تجلٍّ جديد للطبيعة، تتبدّل فيه الألوان وتظهر فيه تفاصيل لا نراها في بقية الفصول.
في فلسطين، تبدو الأشجارعلى سفوح الجبال؛ كجزء من هوية المكان، ومن ذاكرة الفلاح الذي عرف مواسمها، ومن حكايات الأجداد الذين استظلّوا بأغصانها، ومن واجبنا في حماية التنوع الحيوي الذي يجعل جبالنا أكثر حياةً وثراءً.
سلامٌ للخروب الفلسطيني، ولجذوره التي تعانق صخور البلاد، ولأزهاره التي تكتب على جذوعه قصيدةً حمراء في قلب الخريف.
فلنمشِ في بلادنا، ونتعرّف إلى أشجارها ونباتاتها، ونوثّق جمالها وأسرارها؛ فكل دربٍ حكاية، وكل شجرةٍ ذاكرة، وكل زهرةٍ صغيرة رسالة حبٍّ من فلسطين إلى أبنائها.

No comments:
Post a Comment