نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Thursday, October 15, 2026

خَلّــة العدس… في جبــال رام الله تروي حكايــة الأرض والإنســان

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands



الباحث البيئي : خالد أبو علي

في جبال رام الله حكايات تُروى بالكلمات؛ ونقرؤها في تجاعيد الصخور، وعلى حواف المدرجات الزراعية، وبين أشجار الزيتون والبلوط، وفي بقايا المناطير التي شهدت مواسم الحصاد، وانتظرت عودة الفلاحين مع كل فجر. هناك، حيث تتعانق الأرض والتاريخ والإنسان، كان المشي رحلة عبر التاريخ؛ واكتشافاً لذاكرة المكان، وتجديداً لعلاقتنا بأرضنا التي تحمل آثار أجدادنا وتخبئ أسرارها بين ثنايا الجبال.

خَلّــة العدس… بقعة من الجغرافيا الفلسطينية تختزن ذاكرة الزمن

في مساء خريفي جميل من يوم الثلاثاء، الثالث عشر من تشرين الأول 2026، شقّ فريق " امشي وتعرّف على بلدك" طريقه في جبال رام الله، متوجهاً إلى خَلّة العدس، تلك البقعة الريفية التي تحتفظ بملامح فلسطين القديمة، وتختصر في تضاريسها حكاية علاقة طويلة بين الإنسان والأرض.
تقع خَلّة العدس، وفق المعلومات البلدية المتاحة، إلى الشمال الغربي من خربة الطيرة، المعروفة أيضاً باسم كفر غملا. وهي جزء من المشهد الطبيعي والتاريخي الذي يحيط بالمدينة، حيث تتداخل الجبال والوديان والأراضي الزراعية والتكوينات الصخرية في لوحة فلسطينية أصيلة، تتجاوز حدود العمران الحديث لتصل بنا إلى جذور المكان.
ولعلّ ما يستحق التوضيح أن خَلّة العدس في رام الله ليست هي تل العدس التاريخية الواقعة شمال مدينة جنين، بالقرب من زرعين المهجّرة؛ فلكل موقع جغرافيته وحكايته وذاكرته الخاصة.



شواهد أثرية تفتح نوافذ على الماضي

كانت جولة الفريق عبور بين الصخور والأشجار؛ فقد حملت ملامح المكان إشارات إلى أزمنة بعيدة، تستدعي التأمل والبحث والتوثيق.
تتحدث المعلومات المتاحة عن وجود قبور منحوتة في الصخر تُنسب إلى العصر الروماني، إلى جانب جدران حجرية قديمة تُنسب إلى العصر الحديدي. وهي شواهد تستحق مزيداً من الدراسة الأثرية الميدانية لتحديد أعمارها ووظائفها بدقة، وفهم طبيعة الاستيطان البشري الذي عرفته المنطقة عبر العصور.
وفي المحيط الأوسع غرب رام الله، تتوزع الخِرَب والمواقع التاريخية التي تكشف عن تعاقب الحضارات على هذه الأرض، ومنها خربة الطيرة ومنطقة القرينعة، التي تضم بقايا أثرية تعود إلى العصور البيزنطية والإسلامية المبكرة.
أمام هذه الشواهد، فكانت صفحة من كتاب فلسطين الطويل؛ فكل جدار فيه أثر يدٍ بنته، وكل تجويف في الصخر احتمال لحكاية، وكل درب قديم شاهد على خطوات مرّت من هنا، وتركت للمكان شيئاً من حضورها.



مدرّجات الأجداد… هندسة الأرض وعبقرية الفلاح الفلسطيني

بين المدرجات الزراعية القديمة والجدران الحجرية التي اتخذت أشكالاً جميلة، تنقّل أفراد الفريق، يتأملون هندسة بسيطة في أدواتها، عظيمة في حكمتها.
هنا، الجدران الحجرية وقطع الأراضي؛ التي أسهمت في تثبيت التربة، والحد من انجرافها، وتنظيم استغلال المنحدرات الجبلية. وكانت المدرجات وسيلة ذكية لترويض الجبل، وحفظ مياه الأمطار، وتهيئة الأرض لزراعة الزيتون واللوز والتين وغيرها من محاصيل الريف الفلسطيني.

إنها هندسة بيئية متوارثة، نشأت من معرفة الفلاح بطبيعة الأرض ومواسم المطر واتجاهات المنحدرات. لم يحتج أجدادنا إلى آلات حديثة ليدركوا أن حماية التربة تعني حماية الرزق، وأن الحجر حين يوضع في مكانه الصحيح يصبح حارساً للأرض ومخزوناً لذاكرة الإنسان.

وكلما مررنا بين هذه المدرجات، أدركنا أن صون التراث الزراعي هو حفاظاً على منظر جميل، وحماية في ذات الوقت لنظام بيئي وثقافي متكامل، يجمع بين الأرض والماء والنبات والمعرفة الشعبية.

المناطير… حكايات الفلاحين التي بقيت بين الصخور

ومن بين التفاصيل التي استوقفت الفريق، ما تبقّى من المناطير، أو القصور الزراعية الصغيرة التي ارتبطت بحياة الفلاح الفلسطيني في مواسم الزراعة والقطاف.

كانت هذه المنشآت الحجرية البسيطة تُستخدم للإقامة المؤقتة، والاستراحة، وحراسة الأراضي والمحاصيل، ولا سيما في المواسم التي تستدعي بقاء الفلاح قريباً من أشجاره وحقوله. وفي بعض المواقع، كانت تمنح أصحاب الأرض مأوى متواضعاً يقيهم حرّ الصيف وبرد المساء.
في تلك المناطير تختبئ حكايات أجيال من الفلاحين؛ حكايات عن موسم الزيتون، وعن تعب الأيدي التي جمعت الثمار، وعن وجبات بسيطة تقاسموها في الحقول، وعن ليالٍ طويلة قضوها قريبين من الأرض التي أحبّوها وعاشوا من خيراتها.

واليوم، تقف بقايا هذه المنشآت شاهدة على نمط حياة ريفي يستحق التوثيق والحماية، قبل أن تمحو عوامل الزمن والإهمال ملامحه، أو تتحول ذاكرته إلى صور بعيدة لا يعرف الأجيال الجديدة منها إلا القليل.

غزال الجبل الفلسطيني والخنزير البري

لم يحظَ الفريق بمشاهدة غزال الجبل الفلسطيني خلال المسار، لكننا لاحظنا آثاراً عائدة إليه، وهو ما أثار فضولنا ودفعنا إلى التأمل في الحياة البرية التي ما زالت تجد لها موطئ قدم بين جبال رام الله.
كما لفت انتباهنا وجود لافتة وضعتها بلدية رام الله للتحذير من الخنازير البرية، في إشارة إلى ضرورة الانتباه أثناء التنقل في هذه المناطق الطبيعية.

كانت هذه الجبال التي ضمت أشجاراً وصخوراً؛ موائل للكائنات الحية، وممرات تتنقل عبرها الحيوانات بحثاً عن الماء والغذاء والمأوى. وحماية هذه الموائل تتطلب الحفاظ على الغطاء النباتي، والحد من التعديات والتلوث، والتعامل مع الحياة البرية بوعي ومسؤولية، بعيداً عن الإيذاء أو الإخلال بالتوازن الطبيعي.فقد لا نرى الحيوان بأعيننا، لكن آثاره قد تخبرنا أنه مرّ من هنا، وأن الجبل ما زال يحتفظ ببعض أسراره الحية.

رام الله من علٍ… مدينة تتسع بين الجبل والعمران

ومع مواصلة المسير، انفتحت أمام أعيننا مشاهد بانورامية جميلة لجبال رام الله ومحيطها العمراني، حيث تتجاور المرتفعات الطبيعية مع المباني الحديثة، وتتوزع المنشآت العمرانية على سفوح الجبال وامتداداتها.
ولاحت في الأفق مبانٍ ومعالم من المشهد الحضري المحيط، من بينها مستشفى الاستشاري العربي ومبنى الجامعة العربية الأمريكية والحي الدبلوماسي وحي الريحان، إلى جانب الأحياء العمرانية المتنامية.
من ذلك الارتفاع، تبدو رام الله مدينة تتغير ملامحها باستمرار؛ تتوسع مبانيها وطرقها، بينما تبقى الجبال المحيطة بها شاهدة على الجغرافيا التي احتضنت نشأتها وتطورها.

وهنا يبرز سؤال بيئي وإنساني مهم: كيف يمكن أن تتوسع المدن من دون أن تفقد روحها الطبيعية؟ وكيف نحمي الأراضي الزراعية والممرات البيئية والمشاهد التراثية من ضغط العمران المتزايد؟
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المباني وحده، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين احتياجات الإنسان وحقوق الطبيعة، وبين الحداثة وذاكرة المكان، بحيث تبقى الجبال جزءاً حياً من هوية المدينة، لا مجرد خلفية بعيدة لمشهدها العمراني.



نار الحطب والميرمية… طقوس فلسطينية تجمع القلوب

ولأن الرحلات الجميلة لا تكتمل بالمشي وحده، كان لا بد من استراحة دافئة بين الصخور، حيث أشعل الفريق نار الحطب، وتوزعت المهام بعفوية تشبه روح البيت الفلسطيني.
التقط بعض الأصدقاء أوراق الميرمية الجبلية من بين الصخور، وأعدّوا الشاي الذي انتشرت رائحته في المكان، بينما تولّى آخرون تحضير القهوة العربية على نار الحطب. امتزج عبير الميرمية بدخان الخشب، واختلطت رائحة القهوة بصوت الأحاديث والضحكات، فبدت اللحظة كأنها عودة صغيرة إلى طقوس الريف الفلسطيني، حين كان الاجتماع حول النار مناسبة للراحة والحكاية وتقاسم الزاد.

فكانت ضيافة القهوة والشاي من اعضاء الفريق جزءاً من ثقافة اجتماعية تحفظ معنى المشاركة، وتمنح التعب مذاقاً مختلفاً، وتحوّل المسار الجبلي إلى لقاء إنساني تتقارب فيه القلوب.
وبينما كانت النار تمنحنا دفئها، كان الجبل يمنحنا سكينته، وكانت السماء الخريفية تستعد لإسدال ستار المساء على مشهد لا يحتاج إلى كثير من الكلمات.

وفي مثل هذه الرحلات، تبقى المسؤولية البيئية حاضرة: إشعال النار في مكان آمن ومسموح، وعدم ترك الجمر أو النفايات، وعدم اقتلاع النباتات البرية أو جمعها من المواقع المحمية، حفاظاً على الطبيعة التي جاءت بنا إليها.

عيد ميلاد بين الجبال… حين تصبح الرفقة أجمل هدية

وسط هذه الأجواء الريفية الدافئة، احتفل الفريق بعيد ميلاد الصديق الدكتور أنس النشاشيبي، في لحظة أضفت على الرحلة مزيداً من البهجة والألفة.

اجتمع الأصدقاء حول النار، وتعالت أصواتهم بالغناء والتهاني، فيما كانت القهوة العربية تفوح برائحتها المألوفة، وتلقي ألسنة اللهب ظلالها المتراقصة على الصخور المحيطة.

لم تكن هناك قاعة احتفال، ولا أضواء اصطناعية، ولا ترتيبات معقدة؛ كانت الجبال هي المكان، والسماء هي السقف، ونار الحطب هي الضوء، والأصدقاء هم أجمل ما في المشهد.

في تلك اللحظات، تتجلى القيمة الإنسانية الحقيقية للرحلات الجماعية: أن نمنح بعضنا الوقت، وأن نتقاسم الفرح، وأن نصنع ذكريات صغيرة تبقى معنا طويلاً بعد أن تنتهي المسارات وتبتعد الجبال عن أعيننا.
فبعض أعياد الميلاد لا تحتاج إلى هدايا ثمينة؛ يكفيها قلب محب، وأصدقاء أوفياء، وفنجان قهوة على نار الحطب، وسماء فلسطينية تشهد على لحظة صادقة من الفرح.

مع الغروب… نغادر المكان وتبقى الجبال في الذاكرة

ومع انحدار الشمس نحو المغيب، أخذت الجبال ترتدي ألوان المساء؛ تدرجات من الذهبي والبرتقالي، وظلال طويلة تمتد فوق الصخور والمدرجات، ونسيم خريفي يعلن اقتراب الليل.

بدأ الفريق يستعد للمغادرة، بعد ساعات جمعت بين المشي والاستكشاف والتوثيق والضحك والحديث. حمل كل منا صوراً جميلة، وذكريات عن الجدران الحجرية والمناطير القديمة، وعن آثار الحياة البرية، وعن طعم الشاي بالميرمية والقهوة العربية، وعن عيد ميلاد احتفلنا به بعيداً عن ضجيج المدن.

لكن أجمل ما حملناه معنا لم يكن الصور وحدها؛ كان ذلك الشعور العميق بأننا جزء من هذه الأرض، وأن معرفتنا بتفاصيلها هي الخطوة الأولى نحو حمايتها، وأن المشي في الجبال يمنحنا فرصة لرؤية وطننا من زاوية مختلفة، زاوية تجمع الجغرافيا بالتاريخ، والطبيعة بالإنسان، والجمال بالمسؤولية.

خَلّة العدس… تعرّفوا إلى أرضكم واحموها

حقا كان مسار خَلّة العدس نزهة مسائية في جبال رام الله، ودعوة مفتوحة لاكتشاف الكنوز الطبيعية والتراثية القريبة منا، والتعرّف إلى الحكايات التي تختبئ في ثنايا الجبال، وإعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان وأرضه.
امشوا في جبال فلسطين، وتعرّفوا إلى قراها وخِرَبها ومدرجاتها وأشجارها البرية، واستمعوا إلى حكايات كبار السن، ووثّقوا ما تبقى من تراث الفلاحين، واحترموا الحياة البرية، واتركوا المكان كما وجدتموه، بل أجمل مما كان.
فالأرض التي لا نعرفها يصعب علينا أن نحميها، والتراث الذي لا نوثّقه قد يضيع من ذاكرتنا، والطبيعة التي لا نصونها قد نفقدها قبل أن ندرك قيمتها.

امشوا في جبالكم، وتعرّفوا إلى حكاياتها، واحموا أشجارها وحجارتها وموائلها الطبيعية من التدمير والتجريف والتوسع العشوائي. ففلسطين ذاكرة أرض، وحكاية إنسان، ونبض طبيعة، وهوية وطنية تتجدد مع كل خطوة على ترابها.

من خَلّة العدس، حيث يلتقي عبق الميرمية بذاكرة الحجر، نواصل المسير… لأن أجمل طرق الانتماء إلى الوطن تبدأ أحياناً بخطوة في الجبل

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

المراعي الطبيعية في فلسطين تحت ضغط التوسع الاستعماري وتداعيات الحرب على غزة

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands حذّرت سلطة جودة البيئة والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني من الضغوط المتزايدة التي تواجه المراعي الطبيعية ...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????