الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
تقول المزارعة الفلسطينية مريم - التي تبلغ من العمر 39 عاما - من جنوب قطاع غزة، إن الزراعة كانت دائما "شريان حياة" لعائلتها المكونة من ثمانية أفراد، ولا سيما بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كان استئناف الزراعة ضروريا لتوفير الدخل واستعادة شعورها بالهدف، بعدما تعرضت هي وزوجها وأطفالها الثلاثة و
أفراد آخرون من عائلتها للنزوح مرارا.
وتقول مريم إن العثور على أرض صالحة لزراعة أصبح أكثر صعوبة مع كل موجة نزوح، وإن الوصول إلى الأراضي
الزراعية بات محدودا مع استمرار النزاع. كما تضررت معظم الأراضي التي لا يزال الوصول إليها ممكنا.
وكانت إعادة تأهيل الأراضي المتضررة صعبة بسبب عدم توفر الجرافات لإزالة الركام. وحتى عندما تمكنوا من العثور
على الآليات، لم يكن بمقدورهم تحمل تكلفة الوقود اللازم لتشغيلها.
وبعد نزوحها إلى المواصي، حيث تقيم حاليا مع عائلتها، تمكنت مريم أخيرا من العثور على أرض مساحتها دونم واحد
(0.1 هكتار) واستئجارها.
لكن مخزون البذور والأسمدة ومواد الري كان يتناقص، وارتفعت أسعارها بشكل كبير بسبب القيود المستمرة على دخول
المستلزمات الزراعية إلى غزة عبر الواردات التجارية والمساعدات.
وتقول مريم: "رغم الظروف الصعبة، واصلت العمل. فأنا مزارعة، وأرغب دائما في مواصلة زراعة الأرض".
أدى تصاعد النزاع في قطاع غزة إلى تدمير معظم القطاع الزراعي المحلي. ولم يعد الوصول ممكنا إلا إلى نحو ربع
إجمالي الأراضي المزروعة في القطاع، ولا تتجاوز مساحة الأراضي السليمة والجاهزة للزراعة فورا نحو 3٪ من هذه
المساحة، وفقا لتحليل صدر في حزيران/يونيو 2026 عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ومركز الأمم المتحدة
للأقمار الصناعية. ولا تزال المستلزمات الزراعية نادرة ومكلفة ومنخفضة الجودة.
وتقدر الاحتياجات المباشرة للتعافي وإعادة الإعمار في قطاع الأغذية والزراعة في غزة بنحو 2.2 مليار دولار أمريكي.
وفي آب/أغسطس 2025، أكد التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، وهو مبادرة مستقلة تضم الفاو ووكالات أممية
أخرى معنية ومنظمات دولية غير حكومية، حدوث مجاعة في محافظة غزة.
وأشار إلى أن القطاع بأكمله كان يواجه مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مرحلة الأزمة أو أسوأ، أي المرحلة
الثالثة أو أعلى وفق التصنيف.
وحدد التصنيف انهيار النظام الغذائي باعتباره أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى المجاعة. وعلى الرغم من تراجع
ظروف المجاعة خلال العام التالي، ولا سيما بعد إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أظهر تحليل
صدر في تموز/يوليو 2026 أن نحو ثلثي سكان غزة ما زالوا يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد عند المرحلة الثالثة
أو أعلى.
وشدد التحليل على أن التحسن الذي تحقق لا يزال هشا للغاية، ويمكن أن يتراجع بسرعة ما لم تتواصل الاستثمارات في
المساعدات الإنسانية ويعاد تنشيط القطاع الخاص.
وفي الأشهر الأولى من النزاع، حددت منظمة الفاو ولجنة الطوارئ التابعة لوزارة الزراعة، المزارعين الذين ما زالوا
قادرين على الوصول إلى أراضيهم، لكنهم كانوا بحاجة إلى الدعم لمواصلة زراعتها.
وفي عام 2025، بدأت الفاو تقديم مساعدات نقدية مشروطة إضافية للمزارعين، ضمن برنامج (النقد المشروط)،
لمساعدتهم على تلبية احتياجاتهم التي يحددونها بأنفسهم وزراعة مساحة لا تقل عن دونم واحد.
وخلال العام الماضي، قدمت الفاو الدعم إلى 1700 مزارع، تمكنوا من زراعة نحو 4250 دونما (425 هكتارا) وإنتاج
أكثر من 5600 طن متري من الخضروات الطازجة.
وتكفي هذه الكمية لتغطية الاحتياجات السنوية الموصى بها من الخضروات لنحو 121 ألف شخص، أو أكثر من 21600
أسرة، لمدة تزيد على عام، استنادا إلى التوصيات الغذائية الصادرة عن الفاو ومنظمة الصحة العالمية. كما ساعدت
هذه المساعدات في توفير الدخل لنحو 9500 شخص، بمن فيهم المزارعون وأفراد أسرهم.
ويتم تمويل هذه المبادرة بشكل مشترك من بلجيكا والاتحاد الأوروبي ووزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية و
صندوق الأمم المتحدة الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلة.
مريم واحدة من بين 1700 مزارع تلقوا الدعم من الفاو. وبعد حصولها على المساعدة النقدية، كانت تقطع مسافات
طويلة من المواصي إلى وسط قطاع غزة لشراء المستلزمات الزراعية، كما اشترت المياه اللازمة لري محاصيلها.
وزرعت مريم أرضها بالبامية، وتمكنت خلال الموسم الأول من حصاد نحو ثلاثة أطنان. وتحتفظ عائلتها بجزء من
المحصول للاستهلاك، بينما تبيع الكمية المتبقية للجيران والباعة المتجولين وتجار الخضروات.
واستخدمت ما تبقى من المساعدة النقدية التي قدمتها الفاو لاستئجار دونمين إضافيين في المواصي، حيث تخطط
لتوسيع زراعتها لتشمل الباذنجان والكوسا. كما وظفت سبعة عمال موسميين للمساعدة في الري والزراعة والحصاد
وتجهيز الأرض.
وتساعدها عائدات البيع في تغطية احتياجات عائلتها اليومية ودفع رسوم الدراسة لأبنائها. أما ما يتبقى من المال،
فتدخره على أمل أن تتمكن يوما من إنشاء بيت بلاستيكي زراعي وافتتاح متجر خاص لبيع الخضروات. وتقول:
"احتفظ دائما بالبذور من كل محصول نحصده، حتى أضمن أن تكون لدي بذور للمواسم الزراعية المقبلة".
وتضيف مريم أن الزراعة في غزة لا تزال صعبة وخطيرة. فقد أدى التوسع غربا لما يعرف بـ "الخط الأصفر"، الذي
يحدد المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية في قطاع غزة، إلى زيادة القيود على الوصول إلى الأراضي الزراعية، مما
يحد من قدرتها على توسيع مزرعتها.
كما تشير إلى وقوع حوادث إطلاق نار متفرقة بالقرب من أرضها. ورغم هذه المخاطر، لا ترى مريم لنفسها مستقبلا
بعيدا عن الزراعة.
وتقول: "الزراعة هي حياتي وحياة عائلتي. وهي مصدر الدخل الذي أعتمد عليه. وقدرتي على العودة إلى الزراعة تعني
أنني ما زلت على قيد الحياة، وأنني أستطيع أن أعيش بكرامة مع عائلتي".
وفي إطار النداء الإنساني لعام 2026 للأرض الفلسطينية المحتلة، تطلب الفاو تمويلا بقيمة 23.4 مليون دولار لدعم
9763 أسرة من الأسر الأكثر ضعفا التي تعتمد على الرعي والزراعة وصيد الأسماك، من خلال برنامج (النقد المشروط)
والمساعدات العينية الموجهة.
كما أعدت المنظمة برنامجا للتعافي وإعادة الإعمار في غزة يمتد لعشر سنوات. وتسعى الفاو إلى الحصول على 90
مليون دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، لتقديم مساعدات نقدية مشروطة إضافية إلى 12 ألف أسرة، بهدف استعادة
إنتاج الغذاء وإعادة تنشيط القطاع الزراعي.
نقلا عن موقع أخبار الأمم المتحدة
.jpg)
No comments:
Post a Comment