الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحث البيئي : خالد أبو علي
موعدٌ مع المساء وأصدقاء الأرض
في عصر يوم الثلاثاء، العشرين من تشرين الأول، كان لنا موعدٌ مع الأرض، ومع حكاياتها التي لا تنتهي، في مسارٍ دائريّ انطلق من قلب الطيرة ، برفقة ثلّة من أصدقاء الطبيعة في فريق " امشي وتعرّف على بلدك "؛ أولئك الذين يحملون في خطواتهم حبّ فلسطين، وفي قلوبهم عهدًا صامتًا بحماية جمالها الطبيعي وصون ذاكرتها الحيّة.
من منطقةٍ تعرفها الذاكرة الشعبية باسم جبل القعدة، بدأت رحلتنا المسائية، حيث تتعانق الجبال مع الأفق، وتنساب الطبيعة في لوحةٍ تجمع بين سكينة المكان وعبق التاريخ. كان المساء يتهيّأ لاستقبالنا، والشمس تميل نحو رحلتها الأخيرة في السماء، ناشرةً خيوطها الذهبية على السفوح والصخور، وكأنها تودّع الأرض بقبلةٍ من نور.
هناك، حيث تلتقي الجغرافيا بالذاكرة، وتتحوّل الدروب إلى صفحاتٍ مفتوحة من كتاب الوطن، أدركنا أنّ المشي في فلسطين رحلةٌ في أعماق الحكاية، وعودةٌ إلى جذورٍ ضاربة في تراب هذه الأرض.
زيتونٌ روميّ عتيق… حراسُ الأرض وشهودُ الزمن
بين منعطفات الجبل ودروبه الحجرية، كانت أشجار الزيتون الرومي العتيقة تستقبلنا بشموخٍ مهيب، بجذوعها الغليظة والتواءاتها التي تشبه خرائط الزمن، وكأنّ كلّ جذعٍ منها يحمل في شقوقه سيرةَ فلاحٍ أحبّ أرضه، وبيتٍ انتظر أبناءه، ومواسمَ تعاقبت عليها الأعوام دون أن تفقد الأرض ذاكرتها. هذه الأشجار شواهد حيّة على علاقة الفلسطيني بأرضه، وعلى حكاية الصمود التي تتوارثها الأجيال كما تتوارث حبّ الزيتون والزيت والتراب. وبين جذوع الأشجار، ظهرت الصخور بأشكالها الغريبة وتكويناتها المدهشة، وقد حفرت عوامل التعرية على سطوحها رسوماتٍ طبيعية أشبه بلوحاتٍ أسطورية، أبدعها المطر والريح وتقلبات الفصول عبر آلاف السنين. كانت الحجارة صامتةً في ظاهرها، لكنها تنطق بلغة الجيولوجيا، وتكشف عن أسرار الزمن لمن يُحسن الإصغاء
صخورٌ تحتضن الأشجار… لوحةٌ من حنان الطبيعة
كلّما توغّلنا في المسار الجبلي، استوقفتنا صخورٌ ضخمة تتوزّع بين السفوح، بعضها يستند إلى بعض، وبعضها يحتضن الأشجار بجذورها المتشبّثة بين الشقوق، في مشهدٍ يختصر قدرة الحياة على إيجاد طريقها مهما قست الظروف.
بدت الصخور كأنها حارساتٌ قديمات للمكان، فيما راحت الأشجار تنشر أغصانها حولها برفق، كأمٍّ تضمّ أبناءها إلى صدرها. هنا تتعلّم العين أنّ الطبيعة لا تعرف الخصومة بين عناصرها؛ فالصخر يمنح الجذر موطئًا، والجذر يشقّ طريقه نحو الحياة، وبينهما تنشأ حكايةٌ من التآلف والصبر.
وفي هذه التضاريس الفلسطينية، حيث تتداخل الصخور والأشجار والتربة، تتجلّى قيمة التنوع الطبيعي، وتظهر قدرة البيئة المحلية على احتضان الحياة في مساحاتٍ تبدو للوهلة الأولى قاسية، لكنها تختزن من الجمال والثراء ما يستحق الحماية والاهتمام.
المناطير… ذاكرة الفلاح الفلسطيني على قمم الجبال
ومن بين مفاجآت المسار، أطلت علينا المناطير الزراعية، تلك الأبنية الحجرية التي عرفها الفلاح الفلسطيني منذ عقود، واستخدمها لمراقبة الأراضي وحراسة الأشجار والكروم، ولا سيما في المواسم التي كانت تحتاج إلى يقظةٍ ومتابعةٍ مستمرتين.
تتربّع هذه المنشآت على المرتفعات، مطلّةً على الأراضي الزراعية والقرى المجاورة، وكأنها عيونٌ قديمة ظلّت ساهرةً على تفاصيل الحياة الريفية. ومن مواقعها المرتفعة، كان الفلاح يراقب كرومه وأشجاره، ويتابع ما يجري في محيط أرضه، في علاقةٍ يومية جمعت بين العمل والزراعة والحراسة والانتماء.
إنّ المنطار في الذاكرة الفلسطينية هو جزءٌ من التراث الزراعي والمعماري، وشاهدٌ على قدرة الإنسان على التكيّف مع الجغرافيا، وتسخير ما تمنحه الأرض من صخرٍ وموقعٍ وموارد لبناء حياةٍ متجذّرة في المكان.
همس الحجارة بأسرار الماضي
في منتصف الطريق، وبين تضاريس الجبال التي تختزن طبقاتٍ متعاقبة من التاريخ، اقتربنا من المناطير الزراعية ، حيث بدت الحجارة القديمة كأنها صفحاتٌ متناثرة من حكايةٍ لم تكتمل فصولها بعد. هناك، تتوزّع بقايا البناء الحجري، وتبرز المناطير فوق المرتفعات، شاهدةً على حياةٍ زراعيةٍ تركت آثارها في المكان، وعلى أجيالٍ عرفت كيف تبني وتزرع وتعيش في انسجامٍ مع طبيعة الجبل.
وكان أكثر ما استوقفنا في بعض هذه المناطير وجود درجاتٍ داخلية منحوتة من الحجر، تتخذ مسارًا دائريًا أو حلزونيًا، وتكشف عن مهارةٍ معمارية بسيطة في أدواتها، عميقة في فهمها للمكان واحتياجات الإنسان. وقد ارتبطت هذه الأبنية بوظائف الحراسة الزراعية ومراقبة الكروم، وربما حمل بعضها استخداماتٍ أخرى عبر مراحل تاريخية مختلفة؛ وهي تفاصيل تستحق البحث والتوثيق الميداني.
من أعلى تلك المرتفعات، تبدو الأرض لوحةً جغرافية مفتوحة، تتعاقب فيها الجبال والوديان والقرى، وتتشابك فيها خطوط الطبيعة مع آثار الإنسان. هنا نفهم كيف اختار أجدادنا مواقعهم، وكيف تحوّلت القمم إلى نقاط مراقبة، وكيف ارتبطت حياة الناس بالأرض التي زرعوها وحموها وتركوا فيها آثارهم.
ومع مرور الزمن، تآكلت بعض المعالم، وتفرّقت الحجارة، وغابت تفاصيل من حياة أصحابها، فيما بقيت الشواهد تقاوم النسيان. إنّ هذه المواقع التراثية المعمارية جزءٌ من الذاكرة الثقافية الفلسطينية، تستحق الحماية والتوثيق، بعيدًا عن عبث لصوص الآثار والإهمال الذي يبدّد ما تبقّى من رواية المكان.
فكم من حكايةٍ تسكن حجرًا لا نعرف اسمه، وكم من أثرٍ ينتظر عينًا خبيرةً تعيد قراءته، قبل أن تمحوه عوامل الطبيعة أو تمتدّ إليه أيدي العابثين!
غابةٌ من الحكايات… حين يصبح الوطن شجرة
على امتداد المسار، رافقنا تنوّعٌ نباتيّ يعكس غنى البيئة الفلسطينية؛ أشجار الصنوبر والسرو والبلوط والخروب والزعرور، تتوزّع بين السفوح والمنحدرات، وتمنح المكان ألوانًا وروائح وظلالًا تتغيّر مع انحدار الشمس واقتراب المساء.
كان لكلّ شجرةٍ حضورها الخاص؛ للصنوبر قامته الممشوقة، وللسرو وقاره الهادئ، وللبلوط هيبته المتجذّرة، وللخروب ظلاله الوارفة، وللزعرور سحره الموسمي الذي يذكّرنا بأنّ لكلّ نبتةٍ موعدًا مع الإزهار والإثمار، ولكلّ فصلٍ بصمته في لوحة الطبيعة.
وفي هذا التنوع الحيوي، تتجلّى قيمة الغطاء النباتي بوصفه موئلًا للكائنات الحية، وملاذًا للطيور والحشرات النافعة، وعنصرًا مهمًا في حماية التربة والمحافظة على التوازن البيئي. فالغابة هي منظومة حياةٍ متكاملة، تتداخل فيها الجذور والأغصان والتربة والماء والكائنات الصغيرة التي قد لا تراها العين، لكنها تؤدي دورًا أساسيًا في استمرار الحياة.
كانت الأشجار تظلل دروبنا، فيما كانت خطانا تمرّ بين أغصانها كأننا نعبر ذاكرةً خضراء لا تريد أن تُنسى. وفي كلّ التفاتةٍ، كان المشهد يذكّرنا بأنّ حماية الطبيعة الفلسطينية هي مسؤولية وطنية وأخلاقية، تبدأ من احترام شجرةٍ معمّرة، ولا تنتهي عند صون غابةٍ كاملة.
شايٌ وقهوةٌ على الحطب… طقوسُ المحبة في حضرة الخروب
وقبل أن يُسدل الليل ستائره على الجبال، كان لا بدّ من استراحةٍ تليق بروح الرحلة، ومن طقسٍ فلسطينيّ لا تكتمل جلسات الأصدقاء من دونه: الشاي والقهوة على الحطب.
تحت ظلال شجرة خروبٍ ضخمة، اجتمعنا حول دفء اللقاء، وتهادت رائحة القهوة مع نسيم المساء، بينما كان الشاي يغلي على مهلٍ، كأنّه يمنح الوقت فرصةً إضافية ليتمهّل قبل الرحيل.
في تلك اللحظات، كانت الاستراحة مساحةً لتبادل الحكايات والابتسامات، وتأمّل ما حملته الرحلة من مشاهد وذكريات. فهنا، بين رائحة الحطب وظلال الخروب، يستعيد الإنسان بساطة الحياة، ويتذكّر أنّ أجمل الأشياء لا تحتاج إلى الكثير؛ صديقٌ صادق، وطبيعةٌ تحتضننا، وفنجان قهوةٍ يُشرب على مهل.
وبينما راحت الشمس تغوص خلف الجبال، أخذت السماء ترتدي ثوب الغروب، وتنساب الألوان الذهبية والنحاسية على حواف الصخور وأطراف الأشجار. كان قرص الشمس يودّع يومًا جميلًا، تاركًا في الأفق خيطًا من الضوء، وفي قلوبنا امتنانًا عميقًا لهذه الأرض التي لا تبخل على محبيها بالجمال.
من عيــن قِينْيَــا… دروبٌ تقودنا إلى الوطن
مع اقتراب الليل، أنهينا مسارنا الذي كان بطول 7 كيلومتر ، وعُدنا نحمل في ذاكرتنا صورًا لا تشبه الصور العابرة؛ زيتونًا روميًا عتيقًا، وصخورًا نسجت الرياح على وجوهها حكاياتٍ من الجمال، ومناطير تحرس ذاكرة الفلاح، وأشجارًا تتقاسم مع الإنسان حقّ البقاء، وآثارًا تذكّرنا بأنّ هذه الأرض عرفت الحياة والزراعة والعمران منذ أزمانٍ بعيدة.
كانت رحلةً في الجغرافيا والتاريخ والبيئة، لكنها كانت أيضًا رحلةً في معنى الانتماء؛ فكلّما مشينا في دربٍ فلسطينيّ، اكتشفنا أنّ الوطن أكبر من حدود المكان، وأنّ حكاياته تختبئ في التفاصيل الصغيرة: في شقّ صخرة، وفي جذع زيتونة، وفي درجٍ حجريّ قديم، وفي ظلّ شجرة خروبٍ تجمع الأصدقاء حول نارٍ دافئة.
من عيــن قِينْيَــا، وعلى دروب الجبال الممتدة نحو فضاءات الريف الفلسطيني، تظلّ الطبيعة كتابًا مفتوحًا لمن يرغب في القراءة، وتبقى آثار الأجداد أمانةً في أعناق الأحفاد، تستدعي منا المعرفة والحماية والتوثيق.
فلسطين أرضًا نمشي فوقها وذاكرةٌ تمشي معنا، وجذورٌ تشدّنا إلى المكان، وحكايةٌ تتجدّد كلّما أصغينا إلى همسات المساء.
وما أجمل أن نغادر المسار بأقدامٍ متعبة، وقلوبٍ ممتلئة بالجمال، ونحن نسمع صدى الأشجار والصخور يهمس لنا: " عودوا دائمًا… فالأرض تعرف أبناءها، والطبيعة لا تنسى محبّيها" .

.jpg)


No comments:
Post a Comment