نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Wednesday, October 7, 2026

غروب الوَلَجَـــةُ... حين تمسي الشمس على زيتونة " البدوي"

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands



الباحث البيئي : خالد أبو علي

في ختام زيارتنا لزيتونة " البدوي" العريقة في قرية الوَلَجَـــةُ ، غرب مدينة بيت لحم، برفقة فريق " إلى القمر"، جلسنا لبعض الوقت تحت فيء هذه الشجرة التي تحمل في جذعها وذاكرتها حكايات المكان، واحتسينا الزهورات الطبية والقهوة العربية وأكلنا العنب البلدي من يد حارس الزيتونة وخادمها صلاح أبو علي" أبو عيسى "، في جلسةٍ بدت وكأنها استراحة من الزمن، واستراحة من عناء الطريق.

وبعدها أخذنا نتجول في بستان عائلة " أبو عيسى "، ذلك البستان الفلسطيني الذي تختلط فيه رائحة الأرض برائحة الأعشاب والثمار؛ ميرمية ونعنع وحمضيات وأشجار مثمرة، وكأن كل زاوية فيه تحفظ جزءًا من حكاية الزراعة القديمة في الوَلَجَـــةُ.

وبين الأشجار، كانت المفاجأة الجميلة... شجرة القراصيا، وقد بقيت بعض ثمارها معلقة على أغصانها رغم اقتراب الموسم من نهايته. قطَفنا منها وأكلنا، فكان طعمها يميل إلى الحموضة، فأكلنا منها حتى شبعنا!
تحدثت مع " أبو عيسى"، حارس وخادم زيتونة "البدوي"، وأخبرته أن لديّ في حديقتي بمدينة جنين بضع شجرات من القراصيا زرعها والدي، رحمه الله، وما زلت أعتني بها وأحافظ عليها. وفي بداية كل شتاء، أقوم بإعداد بعض الأشتال منها وأهديها للأصدقاء، رغبةً في أن تنتشر هذه الشجرة الجميلة والنادرة، وأن نحافظ عليها من خطر الاندثار.

لكنني كنت أبحث منذ فترة عن القراصيا الحامضة التي تتميز بمذاقها الخاص وتصلح لصناعة المربى، وحين تذوقت ثمارها في بستان " أبو عيسى" قلت له ضاحكًا: " يبدو أنني وجدتها عندك!"
ومن جمال المصادفة أن يجمعنا حب شجرة واحدة، وأن تمتد الحكاية من حديقة والدي في جنين إلى بستان الوَلَجَـــةُ. واتفقنا أن يكون كانون الأول القادم موعدًا لتبادل الأشتال؛ فأحمل إليه من قراصيا جنين، ويهديني من قراصيا الوَلَجَـــةُ ، لعل هذه الشجرة النادرة تجد لها مكانًا جديدًا في حدائق الأصدقاء، وتبقى حاضرة في أرضنا وذاكرتنا جيلاً بعد جيل.

ولم تكن مفاجآت البستان قد انتهت؛ فقد كانت لفتة " أبو عيسى" الأجمل حين أهداني مرطبان صغير من مربى الزعرور البري، حملته معي كهدية بسيطة في حجمها، كبيرة في معناها، وكان طعمها حلوًا طيبًا، يحمل شيئًا من نكهة البرية الفلسطينية وذاكرة البيوت القديمة.


ومضى الوقت سريعًا في الوَلَجَـــةُ، كأنه لا يريد أن يغادرنا...
وبدأت الشمس تنحدر ببطء نحو الغروب، وتلقي آخر خيوطها الذهبية على قمم جبال الوَلَجَـــةُ، وغابات الصنوبر والأشجار الحرجية، حتى وصلت أشعتها إلى زيتونة " البدوي" .

كان المشهد أشبه بلوحة فلسطينية رسمتها الطبيعة بيدها؛ امتزج فيها الأصفر والأحمر والبرتقالي والأزرق والأبيض، وتسللت ألوان الغروب من خلف أغصان الشجرة العتيقة، فأضفت عليها مهابةً وجمالًا لا تصنعهما يد الإنسان.
عند الغروب، تسللت أشعة الشمس الذهبية بين أغصان زيتونة " البدوي"، وانسكبت خيوط الضوء من خلال فراغات أوراقها كأنها قلائد من ذهب معلّقة على أغصان شجرة عتيقة. كانت الشمس تودّع الوَلَجَـــةُ ببطء، بينما ظلال الأغصان ترسم على الأرض لوحةً من النور والعتمة، وكأن الطبيعة أرادت أن تمنح هذه الشجرة، قبل حلول المساء، لحظةً أخرى من الجمال الذي شهدته على امتداد قرون.

وقفت أتأمل زيتونة " البدوي" وهي تستقبل الغروب...
فكرت أنها ربما تفعل ذلك منذ قرون؛ تشهد كل صباح شروق الشمس، وكل مساء غروبها، وكأنها تصبح عليها كل يوم وتمسي عليها، وتقول لها: " ما زلت هنا... لم أرحل ، ما زلت أحرس هذا المكان، وأحفظ ذاكرته، وأروي للأجيال حكاية الأرض التي احتضنت جذوري" .

هكذا بدت لنا زيتونة " البدوي" في ذلك المساء؛ شجرة معمرة عتيقة، وشاهدًا حيًا على تاريخ الوَلَجَـــةُ، وعلى علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه وبستانه وشجره.

غادر فريق " إلى القمر" شجرة البدوي مع آخر خيوط الشمس، وفي ذاكرتنا بقيت صورة الشجرة واقفةً شامخة أمام الغروب؛ جذورها في الأرض، وأغصانها في السماء، وذاكرتها ممتدة عبر الزمن...
غادرنا المكان، لكن الشجرة بقيت هناك؛ تستقبل صباحًا جديدًا، وتمسي على غروب جديد، وتقول لكل من يمر بها: " أنا ما زلت هنا... وما زالت الحكاية مستمرة"

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

“التعليم البيئي” يواصل الأسبوع الـ 27 لمراقبة الطيور وتحجيلها

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands بيت لحم: يواصل مركز التعليم البيئي/ الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة فعاليات الأسبوع...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????