الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود أوجه تشابه واسعة بين الأنماط الصوتية التي يستخدمها البشر في الكلام والغناء، وتلك التي تظهر في تغريد الطيور، مشيرة إلى أن الكائنين يتبعان قواعد متقاربة في تنظيم المقاطع الصوتية والإيقاعات وتوزيع النبرات، رغم الاختلاف الكبير بين اللغات البشرية وتنوع أنواع الطيور.
وقارنت الدراسة، المنشورة في مجلة «ساينس» (Science)، أغاني 367 نوعًا من الطيور بعينات من الكلام والغناء البشري المأخوذة من 52 لغة حول العالم، لتكشف أن كثيرًا من الأنماط الصوتية المتكررة في التواصل البشري تظهر أيضًا في أصوات الطيور.
وأظهرت النتائج، أن البشر والطيور يميلون إلى إنهاء العبارات بمقاطع صوتية أطول، كما ينظمون المقاطع المتتابعة بطريقة تقلل التغيرات في طبقة الصوت بين المقاطع المتجاورة، فضلًا عن اعتماد إيقاعات منتظمة ويمكن توقعها نسبيًا.
وتفتح هذه النتائج المجال أمام فهم أوسع للعوامل التي تشكل أنماط التواصل الصوتي لدى الكائنات الحية، وما إذا كانت بعض القواعد المشتركة ناتجة عن تشابه الآليات البيولوجية المسؤولة عن إنتاج الأصوات.
أكثر من 70 ألف مقطع صوتي من تغريد الطيور

واستغرق إعداد الدراسة نحو 10 سنوات من العمل البحثي، إذ بدأ الباحثون بتوثيق مدى انتشار الأنماط الصوتية المشتركة بين البشر وطيور الزيبرا فينش، قبل توسيع نطاق البحث ليشمل أنواعًا أخرى من الطيور.
وجاءت فكرة توسيع الدراسة من الباحثة كيندرا، التي اقترحت خلال عملها في المختبر ضمن أبحاث الدكتوراه، اختبار ما إذا كانت الأنماط الصوتية نفسها موجودة لدى أنواع مختلفة من الطيور، وليس فقط طيور الزيبرا فينش.
ولتحقيق ذلك، اعتمد الفريق على تسجيلات صوتية متاحة في مستودعات عامة متخصصة في أصوات الطيور، جمعها هواة وباحثون من مختلف أنحاء العالم.
وجرى تجميع وتوثيق المقاطع الصوتية المنفردة في أغاني أكثر من 360 نوعًا من الطيور، ليصل إجمالي المقاطع التي خضعت للتحليل إلى أكثر من 70 ألف مقطع صوتي.
بعد ذلك، قارن الباحثون هذه البيانات بمجموعات من التسجيلات البشرية للكلام والغناء، شملت لغات وثقافات متعددة، واستفادوا من قواعد بيانات تتضمن تسجيلات للأشخاص أنفسهم أثناء التحدث والغناء، ما أتاح إجراء مقارنات أكثر دقة بين أنماط الأصوات البشرية وتغريد الطيور.
إيقاعات منتظمة ومقاطع صوتية أطول في نهاية العبارات

وأظهرت المقارنة وجود تشابهات متعددة في الطريقة التي تنظم بها الطيور والبشر أصواتهم، ومن أبرزها الميل إلى إنهاء العبارات بمقاطع صوتية أطول نسبيًا.
كما يميل الطرفان إلى ترتيب المقاطع الصوتية المتجاورة بطريقة تحد من الاختلافات في طبقة الصوت بينها، إلى جانب إنتاج أصوات تتسم بإيقاعات منتظمة ومتوقعة.
ولم تكن أوجه التشابه متطابقة في جميع الحالات؛ إذ ظهرت بعض أغاني الطيور أكثر تقاربًا مع الغناء البشري مقارنة بالكلام، بينما بدت أغاني أنواع أخرى أقرب إلى أنماط الكلام البشري منها إلى الغناء.
ويشير ذلك إلى أن أوجه التشابه لا تقتصر على تقليد الطيور للأصوات أو اكتسابها القدرة على التعلم الصوتي، بل قد ترتبط بخصائص أوسع في كيفية تنظيم الأصوات وإنتاجها.
هل يرتبط التشابه بقدرة الكائنات على تعلم الأصوات؟
وهدفت الدراسة إلى اختبار فرضية علمية مهمة، تتعلق بما إذا كانت القدرة على تعلم الأصوات من الآخرين تؤثر في طريقة ترتيب المقاطع الصوتية وإنتاجها.
فالبشر يكتسبون أنماط الكلام والغناء من خلال التعلم والتفاعل مع الآخرين، خاصة خلال مراحل النمو، كما تتعلم أنواع عديدة من الطيور أصواتها وتغريداتها خلال مراحل حياتها المبكرة.
وقارن الباحثون بين مجموعتين من الطيور القادرة على التعلم الصوتي، هما الطيور المغردة المعروفة باسم «الأوسين» (Oscines)، وطيور الطنان، وبين مجموعتين قريبتين منها لا تتعلمان أصواتهما بالطريقة نفسها، هما طيور «السوب أوسين» (Suboscines) وطيور السبد أو السُّبَد الليلي (Nightjars).
وكان الباحثون يتوقعون أن تظهر أوجه تشابه أكبر بين البشر والطيور المغردة وطيور الطنان، نظرًا إلى اشتراكها في القدرة على التعلم الصوتي، وأن تختلف أنماطها عن الطيور التي لا تمتلك هذه القدرة.
لكن النتائج جاءت مفاجئة، إذ لم يجد الفريق أدلة قوية على ارتباط الاختلافات في الأنماط الصوتية بين أنواع الطيور بقدرتها على تعلم الأصوات.
وبالتالي، لم تدعم النتائج الفرضية القائلة إن التعلم الصوتي وحده هو العامل الأساسي الذي يفسر التشابه بين أنماط الكلام والغناء لدى البشر وتغريد الطيور.
طريقة إنتاج الأصوات قد تفسر أوجه التشابه
وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة، طرح الباحثون فرضية تتعلق بالتشابه في الآليات الجسدية والعضلية المسؤولة عن إنتاج الأصوات لدى البشر والطيور.
وأوضحوا أن كلا الطرفين يحتاج إلى تنسيق دقيق بين عملية التنفس والعضلات المسؤولة عن إصدار الأصوات، إذ تتزامن حركة العضلات التي تتحكم في المسار الصوتي مع تدفق الهواء القادم من الرئتين.
وقد يسهم هذا التنسيق في ظهور أنماط متشابهة في ترتيب المقاطع الصوتية وتوزيعها والإيقاع الذي تنتج به، بصرف النظر عن اختلاف الكائنات أو طبيعة الأصوات التي تصدرها.
لكن الباحثين أكدوا أن تفسير هذه التشابهات يحتاج إلى مزيد من الدراسات، خاصة لاختبار ما إذا كانت القواعد الصوتية نفسها موجودة لدى مجموعات أخرى من الكائنات الحية.
هل أثرت أغاني الطيور في تطور الموسيقى البشرية؟
وتطرح الدراسة سؤالًا أوسع يتعلق بالعلاقة التاريخية بين أصوات الطيور وتطور الغناء والموسيقى لدى البشر.
فقد ظهرت الطيور المغردة قبل نحو 50 مليون سنة، أي قبل فترة طويلة من انفصال السلالة البشرية عن السلالات الأخرى للقردة العليا، ما يعني أن أصوات الطيور كانت جزءًا من البيئات الطبيعية التي عاش فيها أسلاف البشر عبر مراحل تطورهم.
كما ألهمت أصوات الطيور الموسيقى في ثقافات ومجتمعات مختلفة على مدار التاريخ، وهو ما يثير تساؤلات حول احتمال أن تكون هذه الأصوات الطبيعية قد أثرت في تجارب البشر الأوائل مع إصدار الأصوات وتطوير أشكال التعبير الموسيقي.
ولا تقدم الدراسة دليلًا قاطعًا على أن البشر تعلموا الغناء من الطيور، لكنها تكشف عن أنماط صوتية مشتركة بين الطرفين، وتفتح الباب أمام بحث العلاقة بين التطور البيولوجي وآليات إنتاج الصوت ونشأة الموسيقى البشرية.

No comments:
Post a Comment