الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحـث البيئي : خالــد أبـو علـي
موعد مع الصباح وأصدقاء الأرض
في صباح يوم الجمعة، الثلاثين من تشرين الأول\اكتوبر 2026، انطلق فريق " امشي وتعرّف على بلدك" في مسار بيئي دائري من قلب قرية عين قينيا بمشاركة ثلاثون مشاءا، في رحلة صباحية حملت نكهة المطر وعبق الأرض بعد أن بلّلت قطراته المتساقطة مع ساعات الفجر الحقول والدروب والأشجار.
كان موعداً جميلاً مع الطبيعة، برفقة أصدقاء نذروا وقتهم وجهدهم لحماية الجمال الطبيعي وصون ذاكرة الأرض، حيث امتزجت خيوط الشمس الذهبية الأولى بفرحة اللقاء، وتداخلت رائحة التراب المبلل مع نسمات الصباح العليلة، لتبدأ الحكاية بين أحضان الطبيعة، في مشهد يجمع الإنسان بالأرض، والمحبة بالمكان.
أشجار تحرسنا كما تحرس الوطن
سار الفريق بخطى مفعمة بالحيوية، يتوسطنا نسيم عليل، وتحرسنا أشجار الزيتون الرومي العتيقة التي تقف شامخة منذ مئات السنين، تلك التي رافقت تاريخ الأرض وقصصها، وبين صخورٍ غرائبية الشكل، نحتتها الطبيعة فصارت لوحات حجرية صامتة رسمت عوامل التعرية عليها أشكالًا أشبه بالأساطير، كنا نسير وكأننا نقرأ كتابًا حجريًا مفتوحًا على فصول من الجمال الصامت .
صخورٌ تنبض بالذاكرة القديمة
وخلال سيرنا بين جبال عين قينيا، كانت الصخور الضخمة والجميلة تستوقفنا بجلالها، وكأنها تحرس المكان منذ الأزل، وقد احتضنت الأشجار بجذوعها الغليظة بكل رفق وعناية، كأمّ تضمّ أبناءها في حضنها الأول. وكم كانت دهشتنا حين عثرنا على بعض الأحافير المطمورة في خاصرة الصخور، والتي يُقدّر عمرها بملايين السنين! كانت بقايا الحياة البحرية القديمة، وقد طبعت أشكالها بعناية على صفحات الحجر. وكان أبرزها "الأمونونايت" بأشكاله الحلزونية المتقنة، يرسم دوائر الزمن السحيق، ويروي قصة البحر الذي كان هنا، حين كانت هذه الجبال أعماقًا مائية وذاكرة ملحية تشهد على تحوّلات الأرض والكائنات.
غابة الحكايات الخضراء
رافقنا في مسيرنا حضورٌ مهيب لأشجار الصنوبر، والسرو، والبلوط، والخروب، والجميز، والجوز، والبطم ، والزعرور ، والقطلب، والرمان، والتين، وكأنها تتقاسم معنا ظلّها وحكاياتها، تحرسنا من الشمس وتُرينا كيف يكون الوطن شجرة. كنا نتحرك وسط تنوع حيوي يعكس غنى الغابة الفلسطينية. كانت الأشجار تظللنا بمحبة الأمهات، وترافقنا كجنود يحرسون ذاكرة الأرض من النسيان..
الرمان وأبو العينين... ماء الذاكرة وشجرة الحراسة
ولم تكتمل الرحلة دون زيارة عيون الماء الرقراقة في عين قينيا، حيث تهادت مياه نبعة عين البلد عين ام الرمان او الجناين، وعين لعوينة، التي تظللها شجرة بلوط عملاقة ذات جذع عتيق وروح خضراء، شاهدة على مرور الأجيال.
وعلى مقربة، وقفنا في حضرة مقام "أبو العينين"، الذي تم ترميمه مؤخرًا من قبل موسسة ساقيا ، تحرسه شجرة قَطْلَب عملاقة ذات أغصان حمراء كثيفة، تمتد ظلالها كحنين قديم، وتروي بجذورها أساطير مَن مرّوا من هنا. التقط الفريق صورًا تذكارية بين أغصانها، كأنهم يودّعون المكان مؤقتًا، ويأخذون شيئًا من ظلها معهم.
القَطْلَب أم القيقب؟ تصحيح اسم يحفظ هوية الشجرة
ومن بين هذه الكنوز الطبيعية في الجبال الفلسطينية مررنا بشجرة القَطْلَب مجددا، بجذعها الأحمر الذي يشبه لوحةً رسمتها الطبيعة بيد فنان، وثمارها القرمزية التي كانت حلوة المذاق والتي تتزامن مع موسم قطاف الزيتون، حاملةً حكايةً فلسطينية تستحق أن تُروى، خصوصًا في ظل الخلط الشائع بينها وبين شجرة القيقب.
في بعض المناطق الفلسطينية، يُطلق اسم " القيقب" على شجرة " القَطْلَب"، مع أن الشجرتين تختلفان في التصنيف النباتي والصفات الشكلية وموعد تساقط الأوراق وطبيعة الثمار.
القَطْلَب شجرة متوسطية أصيلة، دائمة الخضرة، أما القيقب فهو جنس نباتي آخر، تشتهر أنواع كثيرة منه بأوراقها المتغيرة الألوان في الخريف. وليس هذا الاختلاف مجرد تفصيل لغوي؛ فالأسماء الشعبية جزء من الذاكرة الزراعية والتراث النباتي، وتصحيحها يساعد على توثيق الأنواع المحلية وحمايتها من النسيان.
والقَطْلَب رفيق قديم لجبال فلسطين وأحراجها، يظهر بين الصخور وعلى أطراف الجبال والوديان ، ويمنح المزارعين في موسم الزيتون فاكهة برية مجانية، يقطفونها خلال ساعات العمل الطويلة، فتختلط حلاوة الثمار بتعب الحصاد ورائحة التراب والزيتون.
إِذَا طِلِــعَ الْوَحْــوَاحْ، حَضِّــرْ بِذَارَكْ يَـا فَـلَّاحْ
مثل زراعي فلسطيني عريق، والْوَحْــوَاحْ نبتة برية زهرية تظهر بسرعة مع أول رطوبة أو ندى أو بعد أول مطر خفيف في بداية الخريف (في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني).
شاهدنا هذه النبتة الجميلة والتي يعتبر ظهورها على علامة طبيعية ومؤشراً للمزارعين على بدء الموسم الزراعي وحلول وقت بذر الحبوب الشتوية (مثل القمح، الشعير، والعدس) وتجهيز الأرض.
حين يطلّ الْوَحْــوَاحْ بين الصخور والأعشاب، بعد ندى الصباح أو مطر الخريف الخفيف، كأنه رسالة خضراء من الأرض إلى أبنائها، تبشّر بموسم جديد من الخير والحياة. وقد قال أجدادنا: " إِذَا طِلِــعَ الْوَحْــوَاحْ، حَضِّــرْ بِذَارَكْ يَـا فَـلَّاحْ"، لأنهم قرؤوا في زهر البراري علامات المطر، واستدلّوا من نبض الطبيعة على مواسم الرزق والعطاء.
خربة "روبين"... نقش التاريخ على صفحة الجبل
راقبنا آثار غزال الجبل الفلسطيني، آثار خفيفة لكنها تدل على حضوره في هذه الجبال ، وحين وصلنا إلى خربة روبين، تنفست الحجارة القديمة فينا عبق الأزمنة البعيدة. رأينا معاصر الزيت والعنب الأثرية، بقايا صامتة من العصرين الروماني والبيزنطي، وأمام أعيننا تناثرت قطع الفخار كأصداء لحياة سكنت هذا المكان ثم مضت، مخلفة وراءها أثرًا يعاند النسيان وعبث لصوص الآثار.
في قلب الخربة، انكشفت لنا آبار محفورة في الصخر، بعضها مكسو بطبقة من القصارة، كانت تُستخدم لجمع مياه الأمطار، وربما كانت يومًا مخابئ للناس من الأعداء، حين كانت الأرض ملاذًا والخوف رفيق الدروب.
شاهدنا الحجارة الضخمة التي شكلت ممرات بين جدارين، ومداخل ضيقة كانت بمثابة شرايين حياة تؤدي إلى الداخل، وأبراج حراسة صامتة على التلال. كانت الخربة تجلس فوق مرتفع يُطل على القرى المجاورة، كمراقب قديم يعرف من عبر ومن رحل، ومن لا يزال يأتيها حبًا أو بحثًا عن المعنى.
هنا عاش الناس، وبنوا، وزرعوا، وهنا مرّت السنون كما تمر الرياح، فعبثت الطبيعة والتاريخ بالمعالم، لكن الأرواح القديمة ما زالت تهمس في زوايا المكان، كأنها تقول: نحن ما زلنا هنا، ولو غابت الأبواب والنوافذ.
حين تترك الطبيعة أثرك في القلب
غادر الفريق المساروالذي كان بطول سبعة كيلومترات، وفي قلوبنا أماكن لم تغادرنا، صور من جمال الأرض وروحها القديمة، وكأن كل شجرة وكل زهرة وكل حجر، كان يهمس لنا: "عودوا دائماً... فالطبيعة لا تنسى محبيها."




No comments:
Post a Comment