الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
العَفْـص على شجــرة البُطُّــمْ الفلسطينــي
الباحث البيئي : خالد أبو علي
خلال مساراتنا البيئية في الغابات والجبال الفلسطينية ، نلاحظ ظاهرة طبيعية لافتة في بيئتنا الفلسطينية تنمو على اشجار البُطُّـمْ الفلسطيني Pistacia Palaestina ، وتكون على شكل انتفاخات أو أورام نباتية بأشكال وأحجام مختلفة.
تتشكل هذه الأورام وتتكوّن عندما تتفاعل الشجرة مع كائنات دقيقة تعيش عليها، وقد تبدو هذه التشكّلات للوهلة الأولى كأنها ثمارًا غريبة، لكنها في كثير من الحالات تراكيب نباتية تُعرف باسم الأورام أو (العَفْص) النباتي Galls، وتكمن أهميتها في أنها تكشف جانبًا مدهشًا من العلاقة بين النباتات والحشرات، وتفتح الباب لفهم فوائدها البيئية واستخداماتها التقليدية.
كيف يتشكّل (العَفْص) على شجرة البَطْم؟
تبدأ الحكاية غالبًا في فصل الربيع، عندما تستقر حشرة صغيرة من مجموعة حشرات المنّ المتخصصة في أشجار الفستق البري وتدعى Baizongia Pistaciae، ومنها البُطُّـمْ الفلسطيني، على برعم أو ورقة فتية. وتضم هذه المجموعة أنواعًا عديدة، لكل منها شكل مميز من (العَفْص).
وتحدث العملية على مراحل حيث تستقر الحشرة على نسيج نباتي غضّ، وتبدأ بالتغذي على عصارة الشجرة، وتؤثر إفرازات الحشرة وإشاراتها الكيميائية في نمو خلايا النبات وانقسامها، فتتغير طريقة نمو الأنسجة الطبيعية ، ثم تنمو الأنسجة بصورة غير معتادة، فتتكون انتفاخات أو تجاويف أو تراكيب مغلقة تختلف في شكلها وحجمها باختلاف نوع الحشرة ، ويعيش المنّ داخل (العَفْص) أو في أجزائه المحمية، حيث يجد الغذاء والحماية من بعض الأعداء والظروف الخارجية ، ثم تتكاثر الحشرات داخل بعض أنواع (العَفْص) ، ثم تغادره أفراد مجنحة في أوقات معينة من السنة، وقد تنتقل إلى نباتات عائلة أخرى ضمن دورة حياتها.
ما أسباب ظهور (العَفْص) ؟
من المهم التمييز بين السبب المباشر والعوامل التي تؤثر في انتشاره، والسبب المباشر هو نشاط أنواع محددة من حشرات المنّ القادرة على تحفيز تكوّن (العَفْص). اضافة الى حساسية الأنسجة الفتية بحيث تكون البراعم والأوراق الحديثة أكثر قابلية للاستجابة لإشارات الحشرة. كما أن نوع الحشرة والشجرة ،لا تنتج جميع الحشرات الشكل نفسه، كما تختلف الاستجابة من نوع من البطم إلى آخر. اضافة الى الظروف البيئية وقد تؤثر درجات الحرارة والرطوبة وتوافر النبات العائل البديل في دورة حياة الحشرة وانتشارها.
لذلك، فإن وجود (العَفْص) ليس بالضرورة دليلًا على مرض خطير يصيب شجرة البطم، ولا يعني وحده أن الشجرة تحتضر؛ بل هو في الغالب تفاعل حيوي متخصص بين الحشرة والنبات.
ما فوائد (العَفْص) ؟
يوفر (العَفْص) للحشرات بيئة محمية نسبيًا، ومصدرًا للغذاء، ومكانًا مناسبًا لنمو الأجيال الجديدة. وهذه هي الفائدة المباشرة الأوضح التي تكوّن (العَفْص) من أجلها بالنسبة إلى الحشرة ، كما تحتوي بعض أنواع العَفْص على مركبات نباتية مثل التانينات والفينولات والتربينات. وقد تساعد هذه المركبات في مقاومة بعض الكائنات التي تتغذى على (العَفْص) أو تهاجم الحشرات التي تسكنه. لكن هذا لا يعني أن (العَفْص) مفيد للشجرة في جميع الحالات؛ إذ يستفيد منه المنّ أيضًا على حساب موارد النبات. ويُعد (العَفْص) مثالًا مدهشًا على التفاعلات بين الحشرات والنباتات في الغابات المتوسطية والمنتشرة في انحاء فلسطين، كما تساعد أشكاله وتركيبته الكيميائية الباحثين على دراسة العلاقات التطورية والتخصص بين الحشرة والنبات العائل.
هل يضر (العَفْص) بشجرة البُطُّـمْ الفلسطيني؟
في كثير من الحالات، تستطيع الشجرة الاستمرار في النمو رغم وجود (العَفْص). لكن تكوّن أعداد كبيرة منه قد يستنزف بعض مواردها أو يؤثر في نمو الأوراق والبراعم، بحسب نوع الحشرة وشدة الإصابة وحالة الشجرة.
ولا يُنصح بإزالة (العَفْص) أو رش الشجرة بالمبيدات لمجرد ملاحظة وجوده، خصوصًا في الأشجار البرية؛ فالأفضل مراقبة حالة الشجرة كاملة، ومدى كثافة (العَفْص) ، ووجود أعراض أخرى مثل جفاف الأفرع أو تساقط الأوراق بصورة غير طبيعية.
إن (العَفْص) على البُطُّـمْ الفلسطيني هو عالم صغير تنسج فيه حشرة دقيقة مأواها داخل أنسجة شجرة عريقة من أشجار بلادنا. إنه مثال على قدرة الكائنات الحية على التأثير في بعضها بعضًا، وعلى التعقيد الخفي الذي تزخر به غابات فلسطين المتوسطية

No comments:
Post a Comment