الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لم تعد تداعيات السابع من تشرين الأول/أكتوبر محصورة في الجغرافيا الفلسطينية أو في دول الطوق التقليدية، بل أخذت ترتدّ نحو مواقع استراتيجية بعيدة ظاهرياً عن مسرح المواجهة المباشر، لتطال القرن الإفريقي وبوابات البحر الأحمر.
ضمن هذا السياق، عادت الصومال، بعد سنوات طويلة من الغياب عن صدارة المشهد الدولي، لتتحول إلى ساحة تنافس جيوسياسي حاد، بفعل موقعها الحساس المطل على أهم الممرات البحرية العالمية، ووقوعها عند تقاطع مصالح دولية وإقليمية كبرى.
اعتراف إسرائيلي يفتح باب الأزمات
في خطوة مفاجئة ومثيرة للجدل، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025 اعتراف إسرائيل بما يسمى "جمهورية أرض الصومال" كدولة مستقلة ذات سيادة، ووقّع إعلاناً مشتركاً مع سلطات الإقليم، معلناً أن هذا التوجه يأتي في إطار توسيع شبكة العلاقات الإقليمية لإسرائيل، وبروح ما يُعرف باتفاقيات التطبيع.
وقد قوبل هذا الإعلان برفض واسع عربي وإسلامي، واعتُبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي لا يجيز الاعتراف بكيانات نشأت نتيجة انفصال قسري أو خارج إطار الشرعية الدولية. وأكدت دول عدة دعمها الكامل لوحدة أراضي الصومال وسيادته، محذّرة من خطورة فتح باب التفكيك والتقسيم في المنطقة.
لاحقاً، صعّدت إسرائيل من خطواتها بإعلان نيتها افتتاح سفارة في الإقليم، وزيارة وزير خارجيتها إليه، الأمر الذي أثار موجة إدانات إضافية من الاتحاد الإفريقي ودول عربية وإسلامية، في حين اعتبرت الحكومة الصومالية هذه الخطوة تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية.
أبعاد تتجاوز الصومال
لا يمكن قراءة هذا التحرك الإسرائيلي بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع. فالمسألة لا تتعلق فقط بمراقبة البحر الأحمر أو اليمن أو خطوط الملاحة الدولية، بل تدخل في إطار رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وتقويض أدوار إقليمية محورية، وعلى رأسها مصر والسعودية.
فوجود إسرائيلي معلن في القرن الإفريقي يعني عملياً الاقتراب من المجال الحيوي للأمن القومي المصري المرتبط بقناة السويس والبحر الأحمر ومنابع النيل، كما يشكل ضغطاً مباشراً على السعودية في خاصرتها البحرية الجنوبية.
وتشير تقديرات استراتيجية إلى أن هذا الوجود قد يفتح الباب أمام شبكة تحالفات إقليمية جديدة تشمل إثيوبيا وأطرافاً مسلحة في السودان، بما يخلق طوق ضغط جيوسياسي واسع يمتد من القرن الإفريقي إلى جنوب الجزيرة العربية.
خرق صريح للقانون الدولي
من الناحية القانونية، لا يحمل الاعتراف الإسرائيلي أي قيمة شرعية. فمحكمة العدل الدولية سبق أن أكدت في قضايا مشابهة، مثل ناميبيا وشمال قبرص، أن أي اعتراف بكيانات نشأت عن احتلال أو انفصال غير قانوني هو اعتراف باطل ولا يرتّب آثاراً قانونية. غير أن التجارب السابقة تُظهر أن الوقائع التي تُفرض بالقوة قد تسبق القانون أحياناً وتخلق أزمات طويلة الأمد.
نحو تفكيك جديد للمنطقة؟
يرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون جزءاً من مسار أوسع لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، على قاعدة تشجيع النزعات الانفصالية وتفتيت الدول الهشة، بما يضمن تفوقاً استراتيجياً دائماً لإسرائيل وحلفائها.
ويحذر هؤلاء من أن نجاح هذا النموذج قد يفتح شهية الاحتلال لتكرار السيناريو نفسه في مناطق أخرى، سواء في سوريا أو السودان أو اليمن، ما ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي العميق.
شبهة توظيف الملف في مخطط التهجير
الأخطر في المشهد، وفق قراءات سياسية متعددة، هو الربط بين هذا الاعتراف وبين محاولات إحياء مشاريع تهجير الفلسطينيين، خصوصاً من قطاع غزة. فثمة مؤشرات وتصريحات سابقة من أطراف في إقليم أرض الصومال ألمحت إلى إمكانية استقبال لاجئين فلسطينيين، وهو ما يثير مخاوف من توظيف هذا الكيان الجديد كجزء من حلول قسرية على حساب القضية الفلسطينية.
وفي ظل استمرار الضغط العسكري والإنساني على قطاع غزة، وتعطيل مسارات إعادة الإعمار، وتثبيت وقائع ميدانية جديدة، تتعزز المخاوف من أن يكون هذا الاعتراف خطوة تمهيدية في مسار طويل لإعادة طرح مشاريع التهجير تحت عناوين جيوسياسية جديدة.
خلاصة المشهد
إن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يبدو خطوة معزولة أو عابرة، بل يأتي ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وفتح بؤر توتر جديدة، وفرض وقائع تتجاوز حدود فلسطين إلى قلب إفريقيا والبحر الأحمر، في مشهد ينذر بتحولات عميقة وخطيرة في بنية الإقليم كله.

No comments:
Post a Comment