الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
تقع كنيسة المخلّص اللوثرية في قلب حيّ المورستان داخل البلدة القديمة في القدس، فوق أرض البيمارستان الصلاحي، في موقع تختزن طبقاته المتعاقبة قرونًا من التاريخ الديني والسياسي والعمراني. شُيّد مبناها الحالي بين عامي 1893 و1898 على الطراز القوطي الجديد، بإشراف المهندس المعماري باول غروت (Groth) وفق التصميم الأصلي لـ فريدريك أدلر (Adler). وتُعد الكنيسة البروتستانتية الثانية التي أُقيمت في القدس خلال الحكم العثماني، بعد كنيسة المسيح.
أقيمت الكنيسة على أرض مُنحت عام 1869 لملك بروسيا فيلهلم الأول، تقديرًا لدعمه وحضوره حفل افتتاح قناة السويس بدعوة من السلطان العثماني عبد العزيز. وبعد نحو ثلاثة عقود، وصل القيصر فيلهلم الثاني إلى القدس عام 1898 لتدشين الكنيسة بنفسه. دخل القيصر المدينة في موكب احتفالي عبر بوابتين شُيّدتا خصيصًا للمناسبة؛ إحداهما هدية من الدولة العثمانية والأخرى من الجالية اليهودية المحلية. وجرت مراسم التدشين في 31 أكتوبر 1898، وهو يوم الإصلاح في التقليد البروتستانتي، حيث ألقى القيصر خطابًا ربط فيه بين القدس وبروز الأمة الألمانية تحت راية الصليب.
لكن تاريخ الموقع أقدم بكثير من البناء الحديث. فقد أُقيمت الكنيسة فوق أنقاض كنيسة صليبية تُعرف باسم “سانتا ماريا اللاتينية” (القديسة مريم الصغرى)، التي أسسها فرسان الإسبتارية عام 1070 وأعيد ترميمها عام 1150 ضمن مجمّع المورستان، الذي ضم آنذاك ثلاث كنائس ومستشفى ونُزلًا للحجاج. وتشير صورة تعود إلى عام 1865 إلى بقاء أجزاء من جدران الكنيسة الصليبية وقبتها قائمة قبل تشييد المبنى الجديد.
وُضع حجر الأساس للكنيسة اللوثرية عام 1893 فوق جدار حجري ضخم اكتُشف خلال حفريات قادها الباحث كونراد شيك. في البداية، اعتُقد أن الجدار يعود إلى “السور الثاني” للمدينة في العصر الهيرودي، لكن دراسات لاحقة أثبتت أنه يعود إلى العصر الروماني المتأخر (القرنان الثاني حتى الرابع الميلادي)، ويرجّح أنه كان جزءًا من جدار دعم أو أساسات مبنى في المنتدى الأعلى لمدينة إيليا كابيتولينا الرومانية.
أما حجر الأساس نفسه، فقد بُني من حجارة ميدانية منحوتة على شكل طوب مربع، واحتوى فراغًا داخليًا وُضع فيه صندوق حجري بداخله صندوق برونزي مختوم. وعند إنشاء الحديقة الأثرية أسفل الكنيسة عام 2011، أُخرج الحجر وفُتح لعرض محتوياته، فوجدت داخله نسخة من الكتاب المقدس اللوثري، ونصوصًا لمبادئ الإصلاح البروتستانتي، وثلاث عملات معدنية من فئة خمسة مارك تحمل صور ملوك بروسيا: فيلهلم الأول، فريدريك الثالث، وفيلهلم الثاني. وبين الأوراق المتحللة عُثر على خصلة شعر محفوظة جيدًا لامرأة مجهولة الهوية، ما فتح بابًا لتكهنات لم تُحسم حتى اليوم، ودفع المعهد الأثري البروتستانتي الألماني إلى رصد جائزة مالية لمن يحل هذا اللغز.
تحافظ الكنيسة على اتصالها المعماري بالماضي الصليبي؛ فقد بُنيت على ارتفاع يقارب مترين فوق أرضية الكنيسة القديمة، ودُمج قوس مزخرف من المدخل الشمالي لسانتا ماريا اللاتينية في البناء الجديد، يحمل رموز أشهر السنة الاثني عشر. وإلى الجنوب من الكنيسة أُعيد ترميم الدير الصليبي، وهو المثال الوحيد المتكامل في القدس لساحة كنيسة من تلك الحقبة، ويضم اليوم نُزلًا لوثريًا ومتحفًا في طابقه العلوي يروي تاريخ الموقع عبر العصور.
يرتفع برج الأجراس إلى نحو 40 مترًا، مشكّلًا علامة بارزة في أفق البلدة القديمة. ويمكن الوصول إلى قمته عبر 178 درجة حلزونية ضيقة، ليحصل الزائر على مشهد بانورامي للقدس وأسوارها. ويُقال إن تصميم البرج استند إلى رسومات للقيصر فيلهلم الثاني، ما أثار جدلًا بين بعض مهندسي مطلع القرن العشرين؛ إذ رأى أحدهم أن شكله لا ينسجم مع الطابع العمراني التقليدي للمدينة آنذاك.
بهذا، تمثل كنيسة المخلّص اللوثرية موقعًا فريدًا تتقاطع فيه طبقات التاريخ: من البيمارستان الصلاحي والعهد الصليبي، مرورًا بالقدس الرومانية، وصولًا إلى الحضور الألماني في أواخر العهد العثماني—في مشهد يلخص تعاقب الحضارات على المدينة المقدسة.





No comments:
Post a Comment