نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Wednesday, April 1, 2026

*نَـيْسَـــان… حِيـنَ تَتَكَلَّـــمُ الأَرْضُ وَتُغَنِّـي السَّمَــاءُ*

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands



كتب الباحث البيئي خالد أبو علي 

نَـيْسَــان… ذلك الاسم الذي يُفتح أوله كما تُفتح أبواب الربيع، هو الشهر الرابع من السنة، كما ورد في المعاجم العربية، وتوارثته الألسن السريانية في المشرق، ويقابله في الغرب شهر أبريل. لكنه في فلسطين تقويم وموسمٌ نابضٌ بالحياة، فصلٌ تتبدّل فيه الجغرافيا إلى قصيدة، وتتحوّل فيه الأرض إلى أمٍّ تُرضع زرعها من غيم السماء.
في الذاكرة الفلسطينية، حيث الأرض كتابٌ مفتوح، والسماء شاهدٌ على الحكايات، وُلدت الأمثال من رحم التجربة، ونُسجت من عرق الفلاحين الذين قرأوا الغيم كما تُقرأ السطور. فالفلاح الفلسطيني، هو ابن الحقل، وصديق المواسم، والمطر هنا ماء وقدرٌ يكتب الحياة.
وحسب دائرة الأرصاد الجوية ليوم الأربعاء الموافق 1-4-2026 ( تتأثر البلاد بحالة من عدم الاستقرار الجوي وتسقط باذن الله امطار متفرقة فوق معظم المناطق قد تكون مصحوبة بعواصف رعدية )
*شَتْــوَةُ نَيْسَـــان… نَبْــضُ الأَرْض المُتَأَخِّــرُ*
يسمّي الفلسطينيون أمطار هذا الشهر "شتوة نَـيْسَــان "، حتى وإن سبقها مطر آذار الغزير، فهي عندهم المطر الذي لا يُعوّض.
يقولون: " شتوة نَـيْسَــان بتحيي الإنسان" وكأنها نفخة الروح الأخيرة في جسد الأرض قبل أن تدخل الصيف.
يراها الفلاحون رحمةً للمحاصيل البعلية، خاصة "المقاثي" من بندورة وكوسا وغيرها من القثائيات، تلك التي تنتظر السماء أكثر مما تنتظر اليد.
ويقولون أيضًا:
"شتوة نَـيْسَــان تسوى العدّة والفدّان" فلا قيمة للمحراث ولا للأرض إن لم ترتوِ بقطرة نَـيْسَــان.
بل ويزيدون:
"النقطة في نَـيْسَــان بتسوى كل سيل سال" وكأن قطرة واحدة منه تختصر أنهار الشتاء.
*حِيــنَ يَغْتَسِــلُ الكَــوْنُ… وَتَتَنَفَّــسُ الطَّبِيعَــةُ*
في نَـيْسَــان ، تمطر السماء وتُطهّر الجو، فمطر نَـيْسَــان يُنقّي الجو من الحشرات، ويغسل وجه الأرض من غبار الأيام. فتبدو الحقول كعروسٍ خرجت لتوّها من نبعٍ صافٍ، ويغدو الربيع لوحةً خضراء لا يُضاهيها جمال.
ولذلك قالوا:
"مطرة نَـيْسَــان جواهر ما إلها أثمان"
و"مطر نَـيْسَــان خير وصحة للإنسان"
إنه المطر الذي يمنح الأرض نفسًا جديدًا، كظمآنٍ وجد الماء في قلب الصحراء.
*نَـيْسَـــان … عُرْسُ الأَرْضِ وَذَاكِــرَةُ الكَنْعَانِيِّيــنَ*
ربط الأجداد بين نَـيْسَــان والخصب، فقالوا:
"إن أخصبت وراها نَـيْسَــان ، وإن أمحلت وراها نَـيْسَــان "
فهو شهر المفاجآت، شهر الرجاء حتى في القحط.
ومن أبدع ما قالوا:
" نَـيْسَــان بلا شتا، مثل العروس بلا جَلا"
وكأن الأرض عروس تنتظر "تجلايتها"، تلك الطقوس القديمة التي تعود جذورها إلى زمن الكنعانيين، حين كانت العروس تسير على ضوء الشموع، على أنغام "اتمخطري يا حلوة يا زينة"، في احتفالٍ يُشبه طقوس تقديم القرابين للإلهة عشتار، إلهة الخصب والحياة.
*أَمْثَــالٌ تُزْهِــرُ… كَمَا تُزْهِــرُ البَسَاتِيــنُ*
في نَـيْسَــان، تتفتح الأمثال كما تتفتح الأزهار، حاملةً بشائر الدفء والخير:
"في نَـيْسَــان اطفي نارك، وافتح شبابيك دارك"
"في نَـيْسَــان بتصير الدنيا عروس"
"في نَـيْسَــان بيدفا كل إنسان"
"بين العقرب والنَـيْسَــاني ارفع غطاك الفوقاني"
وتقول الأرض كلمتها أيضًا:
" نَـيْسَــان بطعمي الجوعان وبدفّي العريان"
"في نَـيْسَــان بتفقّس الصيصان"
"إن ورّق التين، إعجن عجينك من غير تسخين"
وفي الحقول:
"الريّة بـ نَـيْسَــان بتسوى السكة والنير والفدان والراقد عالصيصان "
"حشيش نَـيْسَــان بيحرّك الكسلان"
" بـ نَـيْسَــان بتسرح الغزلان وبيفتح البستان"
*بَيْــنَ دِفْءٍ وَبَرْدٍ… مِزَاجُ نَـيْسَـــان المُتَقَلّــِبُ*
لكن نَـيْسَــان ، كالشعر، لا يُقرأ من سطر واحد. فهو شهر متقلّب، يقولون عنه:
" نَـيْسَــان لسانه فلتان"
و"في نَـيْسَــان أول النهار وَحل… وتاليه مَحل"
وقد يحمل الدفء كما يحمل البرد:
" بـ نَـيْسَــان بيدوب التلج وبيبان المرج"
وأحيانًا، على خلاف المألوف:
"كانون فحلها ونَـيْسَــان محلها"
فكل مثلٍ وُلد من حالة، وكل حكمةٍ كُتبت بميزان السماء.
*نَـيْسَـــان … ذَهَــبُ السَّمَــاءِ وَبَهْجَــةُ النَّـاسِ*
لم ينسَ الأجداد أن يجعلوا من نَـيْسَــان موسم فرح، فقالوا:
"إن أجا نَـيْسَــان حضروا له الفنجان"
كناية عن الرحلات، وعن الخروج إلى الحقول حيث تزهر الحياة.
وقالوا أيضًا:
"مطرة نَـيْسَــان ذهب"
"ذهب نَـيْسَــان ذهب كيزان"
بل ذهبوا أبعد من ذلك، حين اعتقدوا:
"مطر نَـيْسَــان بطول شعر الإنسان"
وفي ختام الحكاية، يبقى نيسان شهرًا لا يُشبه غيره، شهرًا تمشي فيه حافيًا بعد المطر، كما قالوا:
" بـ نَـيْسَــان بتشتي عشية… بتمشي الصبح محفية"
*حِيــنَ يُصْبِــحُ الوَطَــنُ فَصْــلًا*
نَـيْسَــانُ في فلسطين فصلٌ أصيل، وذاكرةٌ تمشي على تُرابٍ أخضر، وحكايةٌ تُروى بين قطرةِ مطرٍ وورقةِ تين. هو الشهرُ الذي يُعلِّمنا أنَّ الأرض، مهما تعبت، قادرةٌ أن تُزهِر من جديد… وأنَّ الوطن، مثل نَـيْسَــانُ، دائمًا يحملُ وعدَ الحياة.
وفي يومِ الأرضِ الخالد، يأتي نَـيْسَــانُ كفصلٍ أصيل شاهدًا حيًّا على وجعِ الأرضِ وصمودِها معًا؛ يجيء مُثقلًا برائحةِ المطرِ وندوبِ الحرب، لكنّه لا ينحني. ففي كلِّ شتوةٍ متأخرة، وفي كلِّ زهرةٍ تُقاوم الركام، تُجدِّد الأرضُ عهدها مع أبنائها: أنَّ الحياةَ، وإن تأخّرت، لا بدَّ أن تعود.
هكذا يلتقي نَيْسَانُ بيومِ الأرض… بين الألمِ والأمل، بين الفقدِ والبقاء، ليقول لنا: إنَّ هذه الأرضَ التي تنزفُ اليوم، هي ذاتُها التي ستُزهر غدًا، وأنَّ الوطن، مهما اشتدَّ عليه الليل، سيبقى فصلًا من الضوء.
رابط الصور https://www.facebook.com/mishwarpal







No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

كيف تحولت الضفة الغربية من جغرافيا متصلة إلى أرخبيل استيطاني؟

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands لم تعد خريطة الضفة الغربية مجرد ورقة تحدد حدودا سياسية متنازعا عليها، بل تحولت خلال ستة عقود إلى مسرح لعم...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????