نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Tuesday, April 28, 2026

الفرِيكَـة … حين يشتعـل القمـح حبًّا بالأرض ويثمـر حيـاة

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands


موســم أخضــر بنكهــة الذاكــرة

كتب الباحث البيئي خالد أبو علي

مع انتصاف نيسان، حين تبدأ السنابل بالتمايل على إيقاع الريح، يولد موسم الفرِيكَـة في فلسطين، ممتدًا حتى أواخر أيار. يُحصد القمح وهو لا يزال أخضر، فتنبعث من الحقول حكاية قديمة تُروى بالنار والدخان، حيث يُشوى القمح في مشهد تراثي يجسد روح الجماعة. في سهول مرج ابن عامر وريف جنين، لا سيما في قرى مثل أم التوت ودير غزالة وغيرها، تتجذر هذه الممارسة كجزء أصيل من الثقافة الغذائية والهوية الريفية، وتتحول الأرض إلى مسرح حيّ للتعاون والعطاء.
طقوس النــار… من السنابــل إلى المائــدة
تمرّ الفرِيكَـة برحلة دقيقة تبدأ بحصاد القمح الأخضر، ثم جمعه وشوائه على نار مكشوفة، ليكتسب نكهته المدخنة المميزة. بعدها يُجفف وتُفصل حبوبه عن سنابله في عملية تُعرف بـ"الحبْس". إنها طقوس تجمع بين الصبر والمهارة، حيث يُحافظ على توازن دقيق بين احتراق القشرة وبقاء الحبة نابضة بالحياة في الداخل.
العونــة… حين تتكافــل الأيـدي
يعتبرموسم الفرِيكَـة عملية إنتاج غذائي ومناسبة اجتماعية بامتياز، حيث تتجلى "العونة" كقيمة متجذرة في المجتمع الريفي. يجتمع المزارعون، رجالًا ونساءً، لتقاسم العمل والوقت، فتُنسج علاقات إنسانية دافئة بين ألسنة النار وأغاني الحصاد، ويغدو الموسم مصدر دخل كريم يعين العائلات على مواجهة تحديات الحياة.
الفرّاكــة… حرّاس الحرفــة القديمــة
يطلق على العاملين في هذا الموسم اسم "الفرّاكــة"، وهم ورثة حرفة عريقة توارثتها الأجيال عبر مئات السنين. تتعدد تسميات الفرِيكَـة في بلاد الشام، لكنها تبقى في فلسطين رمزًا أصيلًا من رموز المطبخ التقليدي، طبقًا رئيسيًا يحمل في نكهته عبق التاريخ وذاكرة الأرض.
قيمـــة غذائيــة… واقتصاد ينبـض بالحيــاة
تُعد الفرِيكَـة من الصناعات الغذائية الواعدة، فالقمح، الذي يشكل مادتها الأساسية، يُعد من أهم المحاصيل عالميًا، ومصدرًا رئيسيًا للطاقة والغذاء. وتتميز حبوب الفرِيكَـة بغناها بالبروتينات والأحماض الأمينية، ما يجعلها خيارًا صحيًا متكاملًا، يجمع بين القيمة الغذائية والعائد الاقتصادي، خاصة في البيئات الريفية.
من الحقــل إلى المصنــع… تطـور يحفـظ الجـذور
شهد إنتاج الفرِيكَـة في فلسطين تطورًا ملحوظًا، إذ انتقل من الأساليب اليدوية البسيطة إلى استخدام أدوات وتقنيات حديثة، مكّنت المزارعين من زيادة الإنتاج وتحسين الجودة. ولم يعد الأمر يقتصر على الأسواق المحلية، بل أصبحت الفرِيكَـة الفلسطينية تُصدر إلى دول عديدة، خاصة في الخليج العربي، حاملة معها هوية الأرض إلى العالم.
بين الماضي والحاضـر… مشاهــد من رحلــة ميدانيــة
خلال جولة بيئية مع فريق "امشي وتعرف على بلدك"، وعلى امتداد مسار بلغ تسعة كيلومترات في محمية أم التوت ، تكشفت ملامح هذا التحول. رأينا البيدر وقد صُممت أرضيته من الباطون لحماية المنتج، وشاهدنا "الشاروخ" الضخم، الذي يقذف اللهب من فوهته ليشوي السنابل بكفاءة عالية. هناك، حيث تمتزج التكنولوجيا بروح التراث، يواصل المزارع الفلسطيني تطوير أدواته دون أن يفقد صلته بالأرض.
أفران الحياة… حين تتحول النار إلى فرصة
في طريق العودة نحو جنين، توقف الفريق عند أحد معامل تجهيز الفرِيكَـة ، حيث يعمل فرن خاص يعتمد على غرفتين بأرضية حديدية مخرّمة، يمر عبرها هواء ساخن يسرّع عملية التجفيف. تتعاون الأيدي لتقليب الفريكة على مدى ساعات، في مشهد يعكس روح العمل الجماعي. هذا الفرن لا يختصر الوقت والجهد فحسب، بل يفتح أبواب العمل أمام الشباب، ويسهم في تسويق المنتج بجودة عالية.
منتج متعدد الوجوه… من الحبة إلى المائدة
بعد عملية الجرش، تتحول الفرِيكَـة إلى ثلاثة أشكال: خشنة تُطهى كالأرز، وناعمة تدخل في أطباق خاصة كالكبة، ونخالة تُستخدم كعلف. وهكذا تصل الفريكة إلى المائدة الفلسطينية نظيفة، جاهزة، تُطهى كشوربة بالدجاج أو اللحم، أو تُقدّم مفلفلة برائحة الحقول، حاملة معها دفء الأرض وكرمها.
رزق موسمي… وأمل متجدد
في قرى محافظة جنين، يشكل موسم الفرِيكَـة شريان حياة اقتصادي، حيث تنخرط عائلات بأكملها في هذه العملية التي توفر فرص عمل موسمية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية. إنه موسم القمح الذي يزرع الأمل في قلوب الناس، ويؤكد أن الأرض، مهما اشتدت الظروف، تبقى قادرة على العطاء.



No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

الحل المناخي ليس بلا ثمن… كيف تتحول زراعة الأشجار إلى خطر بيئي؟

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands تكشف  دراسة  علمية حديثة أن التوسع في زراعة الأشجار ومشروعات إزالة الكربون  من الغلاف الجوي  قد يؤدي إلى ...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????