الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كتب الباحث البيئي خالد أبو علي
ما إن تطأ أقدامك شمال فلسطين حتى يختلف الهواء، كأنه يهمس لك بتاريخٍ قديم لا يشيخ. نسيمٌ ربيعي نقيّ يلامس الوجه، ويفتح في الروح شهية الاكتشاف، فتبدأ الحواس كلها بالإنصات للأرض قبل العين. وبعد مسير بيئي استمر على امتداد 9 كيلو متر في الجبال والوديان وزيارة مقام الشيخ ابراهيم الأدهم في الناقورة مع فريق "امشي وتعرّف على بلدك"، واصل المَشَّاؤون طريقهم عبر " جناين الشامي والهمدان"، حيث الينابيع الأزلية تروي أشجار الجوز والرمان والتين والحمضيات، كأنها تعيد كتابة الحياة كل صباح. ومن هناك، وعلى بعد نحو خمسة عشر كيلومترًا شمال نابلس، بدت ســـبســـطيـة ككتابٍ مفتوح على التاريخ، لا يكتفي بأن يروي الأسئلة، بل يعيد تشكيلها من جديد.
مدينة فوق طبقات الزمن
يوجد في بلدة ســـبســـطيـة طبقات متراكمة من حضارات امتدت لأكثر من ثلاثة آلاف عام. عند مفترق الطرق التاريخية في فلسطين، وقرب محطة سكة حديد المسعودية التي أنشأها العثمانيون، تتكشف أهمية المكان كعقدة وصل بين الجغرافيا والتاريخ والحركة الإنسانية. وتشير الروايات الأثرية إلى أن الموقع يعود إلى العصر البرونزي (نحو 3200 قبل الميلاد)، وتعاقبت عليه حضارات الآشوريين والفرس والرومان، حتى وصل إلى عهد الملك "هيرودس" الذي أعاد تشكيله وأطلق عليه اسم "سبسطي" أي "المبجلة". ومنذ ذلك الوقت، بقيت ملامح المدينة شاهدة على تحولات لا تنتهي.
مدينة المركز والدين والذاكرة
في العصر الروماني، كانت ســـبســـطيـة مدينة مركزية تسيطر على الجبال والسهل الساحلي، ثم تحولت في العصر البيزنطي إلى مركز ديني مهم بوجود قبر يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام) تحت الأرض، ما منحها بعدًا روحانيًا إضافيًا، ورسّخ مكانتها كأحد أهم محطات الحج المسيحي في فلسطين. وقد تميّزت المدينة القديمة بتخطيط شبه دائري، قطره نحو كيلومتر واحد، ومدخلها التاريخي المحاط ببرجين دائريين لا يزالان قائمين حتى اليوم، كأنهما حارسان لذاكرة لا تنام.
آثار تتناثر كذاكرة مفتوحة
في كل زاوية من ســـبســـطيـة ، والتي صنفت الأولى من حيث التنوع الطبيعي في اليونسكو عالميا، تظهر طبقات التاريخ بوضوح: أعمدة جرانيتية، مسارح رومانية، قبور يونانية ورومانية، معابد ومسارح ومدرجات، وأثرٌ كنعاني وفينيقي وروماني وبيزنطي وإسلامي متداخل في نسيج واحد. وفي قلب البلدة، يقف مسجد بناه السلطان صلاح الدين الأيوبي بعد فتح القدس، ليضيف طبقة أخرى إلى هذا التراكم التاريخي الذي لا ينتهي.
بين الحماية والتحدي
رغم القيود التي تمنع ترميم الموقع الأثري في المنطقة المصنفة "ج"، ورغم غياب التنقيبات والحماية الكافية، إلا أن ســـبســـطيـة لم تتوقف عن الحياة. فقد استطاعت بلدية ســـبســـطيـة ، رغم الصعوبات، أن تطور السياحة، وترمم بعض المواقع داخل المنطقة "ب"، وتحول بيوتًا قديمة إلى فنادق صغيرة وبيتا للضيافة، كخطوة نحو إبقاء الذاكرة حية.
في ســـبســـطيـة ، مشى فريق " امشي وتعرف على بلدك" فوق الأرض وفوق الزمن ، فكل حجر فيها يحكي، وكل عمود يشهد، وكل شجرة زيتون تحفظ سرًّا من أسرار التاريخ. حقا كانت سبسطية محطة في مسار بيئي مميز، ورحلة عبر الحضارات، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويستمر الإنسان في كتابة فصله الفلسطيني على أرضٍ لا تنسى .




No comments:
Post a Comment