الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
كتب الباحـث البيئي خالــد أبــو علـي
من رام الله تبدأ الحكاية… وإلى الجبل يمضي النبض
في مساء الأربعاء، الثالث عشر من أيّار عام 2026، انطلقت قافلة المشّائين، عشّاق الطبيعة، من رام الله، كأنها تكتب أول سطرٍ في حكايةٍ جديدةٍ مع الأرض. اثنان وعشرون مشّاءً من فريق "امشِ وتعرّف على بلدك" حملوا شغفهم ومضوا، يفتّشون عن المعنى في تفاصيل الطريق. اختاروا وجهةً خضراء نحو بيت دقو، حيث تتكئ الجبال على الذاكرة، وتتنفّس الأرض تاريخها بهدوء. وفي الطريق، انضمّ الصديقان سني كسابرة وعامر العاروري، لتكتمل الدائرة، ويزداد النبض دفئًا برفقةٍ تشبه الوطن. هناك، على خاصرة الجبل، بدأت الخطوات، نحو حكايةٍ تُروى بالحجر والشجر، ويُكتب فيها الانتماء بنبضٍ ينبع من قلب الأرض.
لم يمضِ سوى بعض الوقت، حتى كانت القافلة تطرق أبواب بيت دقو، بعودة دافئة إلى حضن الأرض. هناك، اصطفت كروم الزيتون الرومي، شامخة كحراس الذاكرة، وتدلّت عناقيد العنب الفلسطيني كأنها رسائل حبٍ قديمة، تحفظ طعم الشمس ورائحة المواسم. كانت الأشجار تهمس للقادمين: هنا من يعرف الأرض، تُفتح له القلوب قبل الدروب.
برفقة الصديق خليل داوود، الذي جسّد كرم المكان بأصالة الضيافة العربية، انطلقت الخطى من "أم الكاف"، تمشي على إيقاع الحكاية، وتصعد نحو جبل " بريطة"، حيث تتكئ الأطلال على الأفق، وتتشابك الجهات كخيوط وطنٍ لا ينقطع. من هناك، بدا الساحل الفلسطيني كحلمٍ بعيد من الغرب، فيما تناثرت القرى جنوبًا وشمالًا كأسماء محفورة في القلب: بدّو، القبيبة، بيت عنان، الطيرة، بيت عور الفوقا، وبيتونيا.
ثم انحدرت الرحلة، نزولًا وغوصًا في تفاصيل الحياة، بين بيوت بيت دقو، حيث الأزقة تحفظ وقع الأقدام، واتجهت القافلة جنوبًا نحو "الظهر"، تتمايل بين أغصان العنب، كأنها ترقص على أنفاس الأرض. هناك، كانت الأوراق تلامس الوجوه برفق، وتمنح العابرين ظلًا يشبه الحنين.
ومن "حبائل النمل" إلى قلب البلدة، استمر المسير، عبر دروبٍ ترابيةٍ تُعرف بـ"كروم العين" أو "عابر العقبة"، حيث الشرق يفتح ذراعيه لخطى تعرف طريقها جيدًا حيث كانت الرحلة قراءةً حيةً في كتاب الأرض، سطرته الطبيعة، ووقّعه الإنسان الفلسطيني بحبٍ لا يذبل.
فوق العين… وتحت ظلال التاريخ
واصل الفريق مسيره غربًا، حيث تتدلّى الحكايات من صخور المكان، مرورًا بـ عين سلمان، ذلك النبع الذي يهمس للماء بذاكرةٍ لا تجف. وعلى مقربةٍ منه، يقف بيتٌ قديم يُعرف بـ بيت النصارى، شامخًا كأنّه شاهدٌ من زمنٍ آخر، تحفظ جدرانه صمت القرون وصلابة الحضور. ومن هناك، انحدرت الخطى نحو النبع ذاته، ثم إلى الخان الروماني، حيث لا يزال الخان الروماني يحرس الطريق كظلٍّ لجمالٍ غابر، مرّت به القوافل، واستراحت عنده الأرواح قبل الأجساد.
وبين هدير الماء وعبق العنب، اختار بعض المشّائين أن يلقوا بأجسادهم في بركة عين سلمان احتفاءً بالتعب، كأنهم يعانقون الطبيعة بكل ما فيها. هناك، حيث تمتدّ كروم العنب العريقة، يصبح الماء حضنًا، والمسير ذاكرة، والجسد قصيدةً قصيرة تكتبها الأرض على مهل.
أنفاس أيّار الأخيرة… حين يترك العطر وصيّته للجبال
على امتداد الطريق، كانت نباتات البرية تلوّح وسط أيام أيّار، كوصيّةٍ عابقةٍ بالحياة، يسلّمها الربيع إلى صيفٍ حنون. في جبال بيت دقو، بدا المشهد كأنّه كتابٌ مفتوح من عطرٍ وذاكرة، حيث يتجاور النبات البريّ مع الحكاية، وتتماهى الطبيعة مع روح المكان.
هناك، ينتشر الكبّار كنبضٍ بريّ عنيد، ويهتزّ الشومر بأنفاسه العطرية، فيما يقف شوك الجمال شامخًا كحارسٍ للصبر. تتناثر نبتة السريس والخلة الشيطانية بين الصخور، وتزهر الختمية بلونها الزهري بلطفٍ يشبه حكايات الجدّات، فيما يمدّ الإجاص البري والبلوط جذورهما عميقًا في ذاكرة الأرض.
وعلى حواف الدروب، يتمايل القطلب والزعرور والعبهر، تلك النباتات التي حاكت منها الجدّات مسابح من صبرٍ وحنين، بينما يلمع البطم بثماره الحمراء كنجومٍ صغيرة بين الأغصان. وبين هذا كله، تتعانق أشجار الرمان والزيتون الرومي مع اللوزيات، الكرز، والنكتارينا، واللوز، كأنها سفراء زمنٍ فلسطينيّ قديم، يروي للأرض حكاية البقاء، وللعابرين سرّ الجمال الذي لا يزول.
حكايا الحجارة... ونداء المغارات
وبينما كنا نعبر الممرات الضيقة المحاطة بـ السلاسل الحجرية في الجبال الشماء، لفت نظرنا أحفورة جميلة ملتصقة بصخرة قديمة، كأنها خُطّت هناك كشهادة حيّة على زمن سحيق. قال أحد الأصدقاء إن العلماء يقدّرون عمر هذه الأحافير بملايين السنين، لكنها ما زالت تنبض بجمالها، تروي حكايا الوطن القديمة التي كتبتها الطبيعة قبل أن يُولد التاريخ.
ومع استمرار المسير، مررنا بـ مغاراتٍ محفورةٍ في الصخر، أوَت الإنسان القديم في صراعه مع الزمن والبرد والوحشة، ثم هجرت لاحقًا، لتصبح مأوىً صامتًا لـ الحيوانات البرية. تلك المغارات، وإن فقدت ساكنيها، ما زالت تحفظ رائحة النار الأولى، وظلال الأصوات التي غابت، كأنها تنادي الزائر ألا ينسى من سكنها، ولا من نُفي منها.
قهوة على كتف الحكاية… بين حجارة الأجداد
توقّف الفريق عند سلاسلٍ حجريةٍ نسجها الأجداد من صبرهم، كأنها أساورُ للأرض تحفظ نبضها وتروي سيرة من مرّوا بها. في حضن زيتونٍ روميٍّ عريق، امتدّت الجذور عميقًا كذاكرةٍ لا تنسى، وافترشت الظلالُ المكان بطمأنينةٍ تشبه الوطن.
هناك، ارتشفوا قهوتهم العربية على مهل، كطقسٍ من الانتماء، حيث يمتزج عبق البنّ بدفء الحكاية، وتتماهى الأرواح مع صمت الجبال. جلسوا بين الحجر والشجر، وكأنهم يقرأون وجوه الغائبين في تضاريس المكان، يستمعون إلى همس الأرض وهي تروي: هنا عاشوا، هنا زرعوا، وهنا تركوا ما هو أعمق من أثر، تركوا معنى البقاء.
في تلك اللحظة، كانت استراحة القهوة ، كأنها وعدًا صامتًا بأن الذاكرة ستظلّ حيّة، وأن الجبال التي حفظت أسماءهم، ستبقى تنطق بهم مهما تغيّرت الخرائط.
عين سلمان... متنزّه الذاكرة
بعد عشرة كيلومترات من المشي في حضن الطبيعة، وصل الفريق إلى منتزه عين سلمان، متنفّس أهالي بيت دقو الذي رمّمته البلدية، ويضم خان المسافرين وبركة ماء أزلية تغذيها عين لا تنضب، تمامًا كصبر الناس المحاصرين بالاستيطان، المحرومين من الهواء، لكنهم يزرعون الضوء.
مائدة من تراب الوطن… حين يأكل القلب قبل الجسد
جلس الفريق حول مائدةٍ بسيطةٍ في شكلها، عظيمةٍ في معناها، كأنها قطعةٌ من تراب الوطن فُرشت لتُطعم الروح قبل الجسد. هناك ، كان كلّ شيءٍ مشبعًا برائحة الأرض وحكاياتها. بطيخٌ أحمرُ كقلب الصيف، يفيض حلاوةً كأنه اختزن شمس فلسطين في عروقه، وجبنةٌ بلدية تحمل طعم البيوت القديمة، وخبزُ طابونٍ دافئ، جاء به الأصدقاء أبو الأمير وأخوه أبو النور، كأنهما يحملان دفء الأمهات وكرم الحقول في سلالٍ من محبة. وبين رشفة شايٍ تعبق بنعناع البرية، وفنجان قهوةٍ يتصاعد منه عبق اللقاء، امتدّت المائدة، يتشارك فيها الجميع لقمةً ممزوجةً بذاكرة الأرض.
غروب بلون القلب... وهواء يشبه الحنين
وقبيل المغادرة، كان غروب الشمس الأحمر ينساب فوق تلال بيت دقو كأنّه قصيدة وداعٍ كتبها الضوء على صفحة السماء. استقر الفريق في أحد المنحدرات، وراحوا يلتقطون أنفاسهم بين هواء عليل، منعشٍ كالحلم، محمّلٍ بعطر الزعتر والندى. سكنت الأصوات، ولم يبقَ سوى حفيف الأشجار وهمسات الحقول. في تلك اللحظة، شعر الجميع وكأن الطبيعة تضمهم بين ذراعيها، تمنحهم بعضًا من سلامها القديم، وترشّ على أرواحهم ندى لا يُشترى.
كانت بلدة بيت دقو في تلك الساعة لوحةً من الجمال الفلسطيني، تشهد على أن الوطن ما زال حيًّا، وما زال قادرًا على منح العشّاق مكانًا يتنفسون فيه الحريّة.
وداع مؤقت... وذكرى خالدة
مع انحناءة المساء، وتسلّل الليل على مهلٍ فوق تلال بيت دقو، بدأ الفريق رحلة المغادرة، لكن الرحيل لم يكن سوى شكلٍ عابرٍ للحضور. فقد حملوا معهم مشهدًا أخضرَ لا يبهت، وصورةً لوطنٍ يقف في القلب عصيًّا على الانكسار. كانت الخطوات التي خطّوها على تراب الجبال أشبه ببذورٍ زرعها فلاحٌ يعرف سرّ الانتظار؛ بذورًا من حكاية، ومن تعبٍ جميل، ومن إيمانٍ بأن الطريق، مهما طال، لا بد أن يورق حرية. وفي تلك اللحظة، كان الوداع وعدًا مؤقتًا بالعودة، وذكرى خالدة تسكن الروح، كأن الأرض قالت لهم بصمتها العميق: من مرّ هنا، لا يغادر حقًا… بل يترك قلبه، ويأخذ وطنًا.





No comments:
Post a Comment