نحو بيئة نظيفة وجميلة

test

أحدث المقالات

شبكة صبا الإعلامية

شبكة صبا الإعلامية

Sunday, May 24, 2026

من الزعتر إلى الخروب: مسار بيئي في ذاكرة الطبيعة الفلسطينية

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands



الباحث البيئي : خالد ابو علي
الجزء الأول .....
حكايــة 80 قلبــاً على درب بيت ريمــا

منذ الصباح الباكر من يوم الجمعة الموافق 22 أيار 2026، شدّ فريق “امشي وتعرّف على بلدك” الرحال نحو قرية بيت ريما، تلك الجوهرة المعلقة شمال غرب رام الله، حيث تبدأ الحكاية من أول خطوة، وتمتد مع نبض الأرض. كانت الطريق لوحة مفتوحة من الجمال، تتدرّج فيها الألوان بين خضرة الجبال وهدوء الوديان.
انطلق نحو ثمانين مشّاءً من مختلف المدن الفلسطينية، كأنهم خيط واحد يجمع أطراف الوطن، يسيرون معاً لمسافة عشرة كيلومترات في حضن الطبيعة، باحثين عن شيء أعمق من مجرد المشي؛ عن سكينةٍ تشبههم، وعن لحظة صفاء تهرب من ضجيج المدن وأزماتها.

كان المسار رحلة بيئية وعودةً إلى الجذور، حيث تتباطأ الحياة قليلاً، ويصبح لكل خطوة معنى، ولكل نفسٍ مساحة من الحرية، وكأن الطريق نفسها كانت تقول لهم: هنا... يبدأ الوطن من جديد.

خربــة رأس العلـم وخربــة تبنــه
وصل فريق " امشي وتعرف على بلدك " الى خربة (رأس العلم) برفقة ابن بيت ريما احمد شكري الريماوي ، والخربة هي موقع أثري وتاريخي يقع إلى الجنوب الشرقي من بلدة بيت ريما، شمال غرب مدينة رام الله. وتضم الخربة العديد من المعالم الأثرية من المغر والمعاصر الحجرية التي تعكس فترات الاستيطان البشري القديمة.
تعود تسمية (رأس العلم) إلى طبيعة المكان المرتفع، حيث يُعتقد أن كلمة " رأس" تشير إلى القمة أو التل، بينما " العلم" قد تُستخدم للدلالة على العلامة أو الموقع المرتفع الظاهر من مسافات بعيدة. وكغيرها من الخرب الفلسطينية، يرتبط الموقع غالباً بوجود بقايا معمارية قديمة متناثرة مثل أساسات حجرية أو جدران متهدمة، قد تعود لفترات تاريخية متعددة (رومانية، بيزنطية أو إسلامية مبكرة) بحسب طبيعة الاستيطان المتتابع في الريف الفلسطيني.

وغالباً ما تُستخدم هذه الخرب اليوم كمحطات في المسارات البيئية والرحلات الجبلية، لما توفره من هدوء وإطلالات طبيعية تعكس جمال الريف الفلسطيني وعمقه التاريخي في آنٍ واحد
كما شاهد الفريق في الجبل المقابل خربة ( تبنه ) وهي موقع أثري وتاريخي هام يقع جنوب بلدة بيت ريما وتضم الخربة معالم تاريخية تعود لعصور مختلفة، وتتعرض في السنوات الأخيرة لمحاولات استيلاء وحفريات إسرائيلية لتزوير تاريخها .

على دروب العطر والذاكرة: حكاية النباتات البرية بين بيت ريما وعابود

في مسارنا البيئي هذا اليوم، بين تلال بيت ريما ووديان عابود، بدت الأرض وكأنها تفتح ذاكرتها لنا، صفحةً صفحة، عبر نباتاتها البرية التي لا تكتفي بأن تنمو، بل تروي حكاية المكان والناس. كانت الجبال مزينة بخضرتها العفوية، وكل نبتة تحمل سراً صغيراً من أسرار الطبيعة الفلسطينية، تنبض بالحياة والعراقة.

" زعتر السبل " كان أول من لفت انتباهنا، بعطره القوي الذي يختزن دفء الشمس، وهو من أهم النباتات الطبية والغذائية، يُستخدم لتقوية المناعة ويدخل في المائدة الفلسطينية كرمز للأصالة. إلى جانبه، جاء الزعتر الفارسي أكثر نعومة في رائحته، لكنه لا يقل قيمة، إذ يُستعمل في التداوي وتهدئة المعدة.

أما اللبيدة (القريضة) فبدت بأوراقها اللينة وازهارها الجميلة كأنها بساط صغير يفترش الأرض. وعلى أطراف الصخور، تمدد " الكبار" بعناده الجميل، متحدياً الجفاف، وهو نبات يؤكل ثماره بعد " التخليل" ويُعرف بفوائده الهضمية الكبيرة.

وفي حضن التلال، فاحت رائحة "الميرمية"، سيدة الأعشاب، التي ارتبطت بذاكرة البيوت الفلسطينية كعلاج للبرد ومشروب دافئ يهدّئ الروح قبل الجسد. وبين الأعشاب، اختبأت الزعيتمانة (القرينية)، بنبتتها الصغيرة التي تحمل قيمة طبية كبيرة، وتُعد جزءاً من تنوع الغطاء النباتي.

أما " الكتيلة " فكانت حاضرة كعشب بري يُستخدم لأضفاء العطر على مياه الآبار ، فيما انتشر الشيح برائحته المرة المميزة، وهو من أهم النباتات الطبية المستخدمة لتنقية الجسم وعلاج اضطرابات الجهاز الهضمي.
ولم تغب عنا نبتة دم الغزال، بلونها المائل إلى الحمرة، وكأنها بقعة حياة على صخرٍ صامت، تُستخدم في بعض الممارسات الشعبية للعلاج. وأخيراً، جاءت القوص كإحدى نباتات المراعي، تغذي الأرض والماشية، وتُكمل لوحة التنوع الحيوي في هذا المشهد.

ومن بين مفاجآت الأرض العطِرة، برز " الثوم البري " بلونه البنفسجي وبرائحته القوية التي تفوح مع ندى الصباح، كأنه ذاكرة برية خضراء تنبض في الشقوق الحجرية، يُؤكل ويُستخدم كغذاء ودواء، ويُعد من النباتات الغنية بالمضادات الطبيعية التي تمنح الجسد قوة من قلب الطبيعة نفسها.

كما لفتت انتباهنا نبتة الإرث (القنفذة) المكورة وبلونها الأزرق الجميل الملتصقة بالأرض كأنها تحرس التربة من النسيان، نبات بري متواضع في شكله، عميق في حضوره، يرتبط بالمراعي القديمة ويُعد جزءاً من ذاكرة الرعي والحياة الريفية، شاهداً صامتاً على علاقة الإنسان بالأرض حين كانت أبسط وأصدق.

حقا كان المسار البيئي رحلة بين بلدتين، وعبوراً في كتاب الطبيعة الفلسطينية، حيث كل نبتة سطر، وكل رائحة ذاكرة، وكل خطوة تقرّبنا أكثر من فهم هذا الوطن الذي ينبت حياةً رغم كل شيء.

استراحات بين الجبال وعبق الورد الجوري: لحظات من الصفاء على درب الطبيعة

تخلّل المسار البيئي الجميل استراحات هادئة بين أحضان الجبال وظلال الأشجار الحرجية، حيث بدا الزمن وكأنه يتباطأ احتراماً لجمال المكان. كانت تلك اللحظات فسحةً للروح قبل الجسد، يستعيد فيها المشاؤون أنفاسهم وسط مشهد طبيعي يفيض بالسكينة والخضرة.
وفي إحدى الاستراحات، اجتمع الفريق ليشربوا عصير الورد الجوري، الذي أعدّه المشّاء " سمو الأمير"، ليضفي على الرحلة لمسة خاصة من العطر والمذاق المختلف. كان العصير لذيذاً ومنعشاً، كأنه خلاصة الجبل حين يزهر، وقطرة من الطبيعة تتحول إلى فرح بسيط يوزّع بين الجميع.

تحت ظلال البلوط والخروب: استراحة الروح على درب عابود

وعلى امتداد الطريق، كانت أشجار البلوط تقف شامخة كحراس الزمن، تُظلّل الأرض بحكاياتها القديمة، فيما بدت ثمار القطلب خجولةً على أغصانها، لم تنضج بعد، لكنها تحمل وعداً بلونٍ قادم يشبه الفرح المؤجل. وبين الشجيرات، لمعت ثمار الرتم الفلسطيني كعلامات صغيرة على صمود الطبيعة في وجه القحط، تنبت حيث يظنّ العابر أن الحياة مستحيلة.

وشاهدنا تنوّع الأشجار الحرجية التي نسجت للمكان هيبته، من السرو المنتصب كقصيدة صامتة، إلى الصنوبر الذي يهمس مع الريح، الى اشجار السماق بقطوفها البيضاء الجميلة وصولاً إلى الزعرور الذي انتشر في الجبال كحارسٍ وفيّ للطبيعة، يحميها بأشواكه ويزينها بثماره البرية.

وقبل أن نصل إلى عابود، احتضنتنا شجرة خروب ضخمة، كأنها أمّ المكان، فافترشنا ظلّها وتشارك الفريق فطوراً بسيطاً بنكهة الأرض، حيث امتزج خبزنا برائحة التراب، وصار التعب حكاية خفيفة تُروى، قبل أن نتابع المسير نحو القرية، ونحن نحمل في صدورنا شيئاً من هذا الهدوء العميق الذي لا تمنحه إلا الطبيعة.

ظلّ الخروب وحلوى المكيكة: حين يتحوّل الطعم إلى ذاكرة تراثية

خلال الاستراحة تحت ظلال شجرة الخروب الضخمة، بدت ثمار الخروب متدلّية وكأنها حكاية معلّقة على الأغصان، بعضها مصطفّ قرب بعض في مشهدٍ يبعث على الدفء والبساطة. هناك، وبين سكون الجبل وهدوء المكان، التقطتُ جزءاً من هذه الثمار، كأنني أستعيد زمناً قديماً من ذاكرة الريف.

تحوّل المشهد لاحقاً إلى لحظة تراثية جميلة، حين استُخدم الخروب الأخضر في إعداد أكلة " المقيقة : أو " المكيكة "، تلك الحلوى الشعبية التي تمتزج فيها بساطة الطبيعة مع دفء البيت الفلسطيني، حيث يُمزج عصير الخروب مع الحليب ليولد طعمٌ طيب يذكّرنا ببراءة المذاق الأول للأرض.

كانت استراحة الفريق حقا لحظة اتصال مباشر بين الإنسان وشجره، بين الذكرى والطعم، بين ظلّ الخروب ودفء الحكاية، لتتحول الرحلة إلى تجربة حسية كاملة تُروى كما تُتذوّق.

من عابود إلى دير بلوط: رحلة بين التاريخ وعبق التراث الفلسطيني

وصل الفريق إلى قرية عابود، تلك البلدة التي تحتضن التاريخ بين حجارتها وذاكرتها، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهدٍ هادئٍ يليق بقرية تنبض بالأصالة. هناك، استمع المشاركون إلى شرحٍ مفصل قدّمه إبراهيم زعرور رفقة جريس بشارية حول تاريخ القرية ومعالمها الدينية والروحية، مستعرضاً طبقات من الحكاية التي جعلت من عابود محطةً مهمة في الذاكرة الفلسطينية.

وتخللت الزيارة جولة في كنيسة العابودية، حيث وقف الفريق أمام المكان بوقارٍ وتأمل، في مساحة تجمع بين الروحانية والعمق التاريخي، وتعكس تنوّع هذا الوطن وثراءه الحضاري والإنساني.

بعد ذلك، انتقل الفريق عبر الحافلة إلى قرية دير بلوط، حيث كان للتراث طعمٌ آخر، فامتدت الأيدي نحو شراء الفقوس والمنتجات التراثية المتنوعة، في مشهدٍ يعكس ارتباط الأرض بأهلها، والزراعة بالهوية، والذاكرة بالمائدة الفلسطينية التي لا تنفصل عن الجذور.

رابط الموضوع و باقي الصور : https://www.facebook.com/mishwarpal

No comments:

Post a Comment

كوزمتكس مريم دعيبس

كوزمتكس مريم دعيبس
كل ما تحتاجينه في مكان واحد

Featured Post

دول غربية تحذر شركات بناء من التقدم لمناقصات في E1

 الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands حذرت دول غربية شركات بناء من أنها ستتعرض لعقوبات في حال تقدمت إلى مناقصات بناء استيطاني في المنطقة E1 في ...

Post Top Ad

Your Ad Spot

???????