الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
في مساءٍ فلسطينيٍ دافئ، عند الرابعة والنصف من يوم الإثنين، الأول من حزيران لعام 2026، بدأ فريق "امشِ وتعرّف على بلدك" رحلة المشي التي كانت بحق عودةٍ حميمة إلى جغرافيا الروح، حيث الأرض تروي حكاياتها لمن يُصغي.
انطلقت الحافلة من مدينة رام الله، تحمل ثلاثين عاشقًا للطبيعة، متجهين نحو قرية كفر نعمة، تلك القرية الوادعة غرب المدينة، حيث تتداخل الجغرافيا مع التاريخ، ويصبح الطريق درسًا في الانتماء.
ما إن بدأ المسير، حتى احتضنتهم الجبال بأشجارها الحرجية الكثيفة، وسارت الخطى بين وادي الشباب ووادي حمد، حيث تتنفس الأرض عبق الزمن، وتهمس الحجارة بقصص من مرّوا من هنا. صعد الفريق طرقًا ترابية وعرة، تخللتها سلاسل حجرية، فرضت روح الجماعة حضورها، فتكاتفت الأيدي، وتحوّل التعب إلى معنى، والصعود إلى انتصار صغير يتكرر في كل خطوة.
وعلى امتداد المسار، ظهرت التكوينات الصخرية شامخة، كحرّاسٍ قدماء يحرسون المكان من النسيان، فيما كانت الطرق الملتوية تقود الأبصار نحو جبل الروسان، ذلك الجبل الذي يقف شاهدًا على جمالٍ مثخنٍ بالجراح.
تناثرت الأشجار كلوحةٍ حية: صنوبرٌ وكينا، زيتونٌ وزعرور، خروبٌ ولوز، سروٌ وقطلب، بلوطٌ وسريس، وبطمٌ تتدلى ثماره الحمراء كقلائد من نارٍ هادئة. وبينها، فاحت رائحة النباتات البرية العطرية؛ الميرمية، الزعتر الفارسي، زعتر السبل، والزعتر البري، كأنها أناشيد خضراء تملأ المكان بالحياة.
وفي تفاصيل الأرض الدقيقة، تألقت اللبيدة، وازهار القنفذة الكروية الزرقاء، وقد ازدحمت بالحشرات التي جاءت تبحث عن رحيق الحياة، في مشهدٍ بيئي نابض بالتوازن. أما الطيون، فقد انتشر بكثافة، ذلك النبات الذي حفظه الفلاح الفلسطيني في ذاكرته كدواءٍ وكمبيدٍ طبيعي، شاهدًا على حكمة الأرض وأهلها.
ومع الاقتراب من جبل الروسان، بدا الجرح واضحًا، حيث يئنّ الجبل تحت وطأة العشوائيات الاستعمارية، في تناقضٍ صارخ بين نقاء الطبيعة وقسوة الواقع.
وعلى يسار الطريق، أطلت قرية رأس كركر، محاصرةً ببوابات حديدية ثقيلة، لكنها بقيت شامخة بقلعتها التاريخية، قلعة آل سمحان، التي تحكي عن عصرٍ عثمانيٍ كان فيه المكان أكثر اتساعًا للحياة.
قطع الفريق ما يقارب سبعة كيلومترات ونصف، في مسارٍ تنوّعت فيه التضاريس، وتوزعت فيه الاستراحات تحت ظلال الزيتون الرومي، حيث السكون يحمل نكهة التاريخ.
ومع اقتراب الغروب، تحوّل المشهد إلى لوحةٍ أسطورية؛ الشمس كتلة نارٍ هادئة، تغيب ببطء بين أغصان الزيتون، تاركةً خلفها ضوءًا ذهبيًا يلامس الوجوه، ويختزن في الصور ذاكرة لا تُنسى.
وفي ختام الرحلة، كانت الاستراحة الأخيرة في بيت خال الصديق المشّاء عبد الله ريان، حيث تجلّت كرم الضيافة الفلسطينية بأبهى صورها، مع طبق "القدرة" الشهي والحلويات، وعلى حواف بركة الماء، اجتمع التعب والفرح في عشاءٍ بسيطٍ عميق المعنى.
غادر الفريق كفر نعمة، لا كما دخلها، بل محمّلًا بطاقةٍ من الفرح والانتماء، مؤمنًا أن المشي في الطبيعة هو نشاط رياضي بامتياز، وايضا فعل مقاومةٍ ناعمة، وإعلان حبٍ متجدد، بأن هذه الأرض عربية… وستبقى.




No comments:
Post a Comment