الأراضي المقدسة الخضراء / GHLands
الباحث البيئي : خالد أبو علي
رحلة إلى أعماق الجبل... حيث يكتب الماء تاريخ الصخر
كان صباح يوم الجمعة الموافق 24 تموز يومًا استثنائيًا في فلسطين؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى إعلان نتائج امتحان شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)، وكانت آلاف العائلات الفلسطينية تترقب بفارغ الصبر نتائج أبنائها، كان فريق (إلى القمر ) To The Moon يستعد لرحلة مختلفة من نوع آخر؛ رحلة لاكتشاف ما تخفيه الأرض الفلسطينية في أعماقها.
ففي مختلف محافظات الوطن، كان الطلبة وذووهم ينتظرون نتائج نحو 89 ألف طالب وطالبة، يتوزعون بين 51 ألفاً في محافظات الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف، وحوالي 35 ألفاً من داخل قطاع غزة ، بالإضافة إلى طلبة المدارس الفلسطينية في الخارج والذين يتوزعون على 46 مركزاً امتحانياً في 46 دولة حول العالم، بينما كان أعضاء فريق الاستغوار (الى القمر) يستعدون لمغامرة جديدة تضاف إلى سجل الفريق في استكشاف الكهوف والمغر الطبيعية الفلسطينية، بحثًا عن قصص الأرض التي لا تُقرأ فقط فوق سطحها، بل تُكتب أيضًا في طبقات صخورها وتكويناتها الجوفية.
حوّارة... بوابة إلى المشهد الكارستي الفلسطيني
توجه أعضاء فريق "(الى القمر) القادمون من مختلف محافظات الضفة الغربية؛ من جنين وسلفيت ورام الله وبيت لحم والخليل، نحو السفوح الجنوبية لمدينة نابلس، وتحديدًا إلى بلدة حوّارة التي تحتضن بين جبالها وأراضيها الزراعية حكاية جيولوجية صامتة نسجتها المياه عبر آلاف السنين.
تقع حوّارة على بعد نحو 9 كيلومترات جنوب مدينة نابلس، وتتميز بطبيعتها الجبلية والصخور الجيرية التي تشكل جزءًا من المشهد الكلسي لجبال فلسطين الوسطى. وهذه البيئة الجيولوجية تعد من أكثر البيئات ملاءمة لظهور الظواهر الكارستية (Karst)، مثل الكهوف والمغارات والتجاويف الطبيعية الناتجة عن عمليات إذابة الصخور الجيرية بفعل المياه عبر الأزمنة الجيولوجية الطويلة.
ويُعتقد أن اسم حوّارة يعود إلى اللغة السريانية، حيث يعني "البياض" أو "الأرض البيضاء"، نسبة إلى لون تربتها وصخورها البيضاء المعروفة في اللهجة الفلسطينية باسم "الحُوَّر". كما تُعد البلدة واحدة من بين 56 قرية وبلدة تتبع محافظة نابلس، ويقسمها الطريق الرئيسي المعروف تاريخيًا باسم "شارع حوّارة"، وهو جزء من الطريق القديم الواصل بين نابلس والقدس، إلى قسمين شرقي وغربي.
فريق (الى القمر) مغامرة علمية في قلب الجبل
وصل أعضاء الفريق، وعددهم 12 مغامرًا، عند الساعة الثامنة صباحًا إلى بلدة حوّارة بقيادة الكابتن بلال الحوساني، حاملين معهم معدات الاستغوار والسلامة، وخبرة تراكمت من خلال رحلات سابقة في عالم الكهوف والمغر الفلسطينية.
وبعد الوصول، بدأ الفريق بالصعود نحو الجبل المحاذي للشارع الرئيسي، حيث تظهر الطبيعة الجيرية التي شكلت عبر ملايين السنين بيئة مناسبة لنشوء الكهوف والأنظمة الكارستية.
هناك، بدأت مرحلة التحضير للدخول إلى عالم باطن الأرض؛ حيث قام أعضاء الفريق بتثبيت الحبال وربطها بالصخور المحيطة بمدخل المغارة، والتأكد من جاهزية معدات السلامة، بما يشمل الخوذ والحبال وأدوات الحماية اللازمة لمثل هذه المغامرات التي تتطلب دقة وانضباطًا عاليين.
من سطح الأرض إلى أعماق المغارة
بدأ أعضاء الفريق الدخول إلى المغارة واحدًا تلو الآخر، حيث فرض ضيق المدخل الأول تحديًا طبيعيًا، إذ تطلب الأمر الزحف على البطن لمسافة تقارب ثلاثة أمتار عبر فتحة ضيقة، قبل الوصول إلى فتحة ثانية قادت إلى الجزء الداخلي من المغارة.
ومن هناك بدأت مرحلة النزول الحر باتجاه أرض المغارة، عبر ارتفاع رأسي يقارب عشرة أمتار، في تجربة جمعت بين المغامرة والاستكشاف العلمي.
وما إن وطئت أقدام أعضاء الفريق أرض المغارة، حتى ابتعدوا تدريجيًا عن ضجيج العالم الخارجي، ودخلوا إلى عالم مختلف يسوده الصمت والظلام والدهشة؛ عالم تشكل ببطء شديد بفعل تفاعل الماء والصخر والزمن.
هناك، كانت قطرات المياه والتي أصبحت عبر آلاف السنين أدوات نحت طبيعية، حولت الشقوق الدقيقة في الصخور إلى منحوتات حجرية نابضة بالجمال، تحمل في تفاصيلها قصة طويلة عن تطور البيئة الجيولوجية للمنطقة.
المصدر : https://www.facebook.com/mishwarpal



No comments:
Post a Comment